التحذير من الرافضة والرد على من زعم أنهم ليسوا كفرة
التحذير
من الرافضة
والرد
على من زعم أنهم ليسوا كفرة
تقديم فضيلة
الشيخ
أبو محمد عبد
الحميد بن يحيى الحجوري الزعكري
حفظه الله
كتبه:
أبو فيروز عبد
الرحمن بن سوكايا
الإندونيسي عفا
الله عنه
تقديم
فضيلة الشيخ أبي محمد عبد الحميد بن يحيى الحجوري حفظه الله
الحمد لله رب العالمين القائل: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ
الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55]،
والصلاة والسلام على رسوله الأمين المبلغ الكريم القائل في الخوارج: كلاب النار. أما
بعد:
فقد قرأت رسالة أخينا أبي فيروز الإندنوسي الموسومة: "التحذير من الرافضة والرد
على من زعم أنهم ليسوا كفرة"، فرأيته قد
جاء فيها ببيان عظيم يشكر عليه في أسباب كفر الرافضة وردتهم وزندقتهم تعليما
للجاهل وتذكيرا للعالم وحجة على المتكبر الفاجر. فجزى الله مؤلف هذه الرسالة خيرا
ونفع به وبعلمه والحمد لله رب العالمين.
أبو محمد عبد
الحميد بن يحيى الحجوري الزعكري
28/ ذو القعدة/1433 هـ
مقدمة المؤلف
الحمد
لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده
ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم أجمعين، أما بعد:
فقد اتصل بي رجل من الصوفية وزعم أن
الرافضة إخواننا، وأن الحرب التي حصلت هي حرب بين طائفتين من المسلمين فلا يجوز
التدخل فيها بل يجب الاعتزال منها.
وقد بينت له ولغيره أن الرافضة هم الذين
أشعلوا نار هذه الفتنة حقيقة، وأنهم يخرجون على الدولة يريدون الانقلاب، وهم الذين
يعتدون على أهل السنة إلى الآن. وبينت له أن الرافضة كفار مرتدون، ليست بيننا
وبينهم أخوة إسلامية.
ثم إني وجدت بعض الناس يلقون بعض
الشبهات حول تكفير، فأحبّ أن أذكر زيادة في بيان أسباب كفر الرافضة وأقوال الأئمة
وعلماء الأمة عليها، ومن خلالها أذكر أقوال بعض علماء الصوفية لتكون حجة عليهم في
عدم تكفيرهم الروافض كما فعل شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه "الحموية". ثم أذكر أقوال الأئمة رحمهم الله النافعة المفيدة في هدم تلك الشبهات.
وأشكر شيخنا الفاضل الغيور أبا محمد عبد
الحميد بن يحيى الحجوري الزعكري حفظه الله على بذل جهده في النصح والمراجعة.
وإلى الموضوع:
الباب الأول: وجوب الاعتصام بحبل الله وسلوك الصراط
المستقيم وبيان تمرد الرافضة منه
إن الله تعالى أمر عباده بالدخول في
السلم كافة ونص أنه هو الصراط المستقيم، فمن انحرف عنه انحرافا كليا خرج من
الإسلام جملة فكان من الكافرين. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة/208]
وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا
تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ
بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام/153]
وقال جل ذكره: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا
تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي
هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا
أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ *
اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس/60-64]
فأبى الرافضة طاعة الله واتباع رسوله
صلى الله عليه وسلم، فأشركوا بالله في عبادته، وابتعدوا عن سنة نبيه ابتعادا عظيما
فعوضوا أنفسهم بالبدع المكفرة. فهذه سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا: أن
من أعرض عن الإيمان عوض بالكفر، ومن أبغض التوحيد عوض بمحبة الشرك، ومن ابتعد عن
السنة عوض بالبدعة، ومن حاد عن طريق الجنة عوض بسلوك سبل الجحيم.
قال شيخ
الإسلام رحمه الله رحمه الله: كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم
عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره. ("اقتضاء الصراط" /1 / ص 367).
وقال
رحمه الله: أن المستكبر عن الحق يبتلى بالانقياد للباطل فيكون المستكبر مشركا. ("مجموع الفتاوى"/7 /ص629).
وقال الإمام
ابن القيم رحمه الله: وهكذا كل من أعرض عن الحق يعوض عنه بالباطل. ("هداية الحيارى"/ ص 65).
ومن أعظم شعارهم الدال على بعد انحرافهم طعونهم في سادة الأمة أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي بيان ذلك. وهذا من العقوبات القلبية التي
عاقبهم الله بها: أنهم لما أعرضوا عما أوجبه الله من احترام الصحابة، ومحبتهم،
وتبجيلهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، واتباع طريقهم، عوّضوا ببغضهم، والقدح
فيهم، وسلوك سبل الشياطين. وهذا شأن من جهل عظم مناقب الصحابة عند الله وعند
المؤمنين.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ... فرأينا أصحاب
رسول الله فتحوا بلاد الكفر وقلبوها بلاد إسلام وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم
والهدى فآثارهم تدل على أنهم هم أهل الصراط المستقيم ورأينا الرافضة بالعكس في كل
زمان ومكان فإنه قط ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام
وكم جروا على الإسلام وأهله من بلية. وهل عاثت سيوف المشركين عباد الأصنام من عسكر
هولاكو وذويه من التتار إلا من تحت رءوسهم؟ وهل عطلت المساجد وحرقت المصاحف وقتل
سروات المسلمين وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم إلا بسببهم ومن جرائهم ومظاهرتهم
للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة. وآثارهم في الدين معلومة. فأي
الفريقين أحق بالصراط المستقيم وأيهم أحق بالغضب والضلال إن كنتم تعلمون.
ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله بأبي بكر
وعمر وأصحاب رسول الله ورضي الله عنهم. وهو كما فسروه فإنه صراطهم الذي كانوا عليه
وهو عين صراط نبيهم وهم الذين أنعم الله عليهم وغضب على أعدائهم وحكم لأعدائهم
بالضلال.
وقال أبو العالية رفيع الرياحي والحسن البصري وهما من أجل التابعين: الصراط
المستقيم رسول الله وصاحباه([1]).
وقال أبو العالية أيضا في قوله: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ هم آل رسول الله
وأبو بكر وعمر([2]). وهذا
حق فإنّ آله وأبا بكر وعمر على طريق واحدة ولا خلاف بينهم وموالاة بعضهم بعضا
وثناؤهم عليهما ومحارب من حاربا ومسالمة من سالماً معلومة عند الأمة خاصها وعامها.
وقال زيد بن أسلم: الذين أنعم الله عليهم هم رسول الله وأبو بكر وعمر([3]).
ولا ريب أن
المنعم عليهم هم أتباعه والمغضوب عليهم هم الخارجون عن أتباعه وأتبع الأمة له
وأطوعهم أصحابه وأهل بيته وأتبع الصحابة له السمع والبصر أبو بكر وعمر. وأشد الأمة
مخالفة له هم الرافضة فخلافهم له معلوم عند جميع فرق الأمة ولهذا يبغضون السنة
وأهلها ويعادونها ويعادون أهلها. فهم أعداء سنته. وأهل بيته وأتباعه من بينهم أكمل
ميراثا بل هم ورثته حقا. فقد تبين أن الصراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه
وطريق أهل الغضب والضلال طريق الرافضة. وبهذه الطريق بعينها يرد على الخوارج فإن
معاداتهم الصحابة معروفة اهـ. ("مدارج السالكين"/فصل في بيان تضمنها للرد على الرافضة/1 / ص64-65/دار الحديث).
الباب الثاني:
تعريف الرافضة
قال ابن عبد الدائم رحمه الله في كتابه "الفرق الإسلامية" : إنه كان يهوداً وأسلم .
وكان يقول في يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام كما يقول في علي . وهو أول من أظهر
القول بالرفض وبإمامة علي ومنه تشعبت فرق الضلال . واجتمعت عليه جماعة . وهم أول
فرقةٍ قالت بالتوقف وبالرجعة بعد الغيبة . وزعموا أن جعفر كان عالماً بمعالم الدين
كلها العقليات والشرعيات، وقلدوا جعفر في كل شيء حتى لو سئلوا عن صفات الله تعالى
أو عن شيء من أصول الديانات قالوا : نقول فيها بما كان يقول جعفر فيها ولا نعلم
بماذا قال جعفر ! ويلزمهم أن يتوقفوا في تكفير أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حتى
يعلموا ما قال جعفر فيهما بل يلزمهم أن يتوقفوا في توقفهم حتى يعلموا هل أجاز جعفر
توقفهم في ذلك أو لا . وكل ما ذهبوا إليه باطل. ("الوافي في الوفيات" /ص 2393).
قال الإمام ابن قتيبة رحمه الله: بلغني
عن الأصمعي أنه قال: إنما سميت الرافضة لأنهم رفضوا زيد بن علي وتركوه، ثم لزم هذا
الاسم كل من غلا منهم في مذهبه وتنقص السلف. ("غريب
الحديث"/لابن قتيبة /ص 252).
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله: وإنما
سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهم مجمعون على أن النبي نص على استخلاف
على بن أبي طالب باسمه، وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء
به بعد وفاة النبي، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوفيق وإنها قرابة، وأنه جائز للإمام
في حال التقية أن يقول إنه ليس بإمام، وأبطلوا جميعا الاجتهاد في الأحكام، وزعموا أن
الإمام لا يكون إلا أفضل الناس، وزعموا أن عليا رضوان الله عليه كان مصيبا في جميع
أحواله، وأنه لم يخطئ في شيء من أمور الدين، ...إلخ. ("مقالات
الإسلاميين"/ ص 16-17).
وقال أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب الإصطخري: قال أبو عبد الله أحمد بن
محمد بن حنبل رحمه الله: ... فمن سب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو
أحدا منهم أو تنقصه أو طعن عليهم أو عرض بعيبهم أو عاب أحدا منهم فهو مبتدع رافضي
خبيث مخالف، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. ("طبقات
الحنابلة"/1/ص 29).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: قيل للإمام أحمد : من الرافضي ؟ قال : الذي
يسب أبا بكر وعمر . وبهذا سميت الرافضة ؛ فإنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى
الخليفتين أبا بكر وعمر لبغضهم لهما فالمبغض لهما هو الرافضي وقيل : إنما سموا
رافضة لرفضهم أبا بكر وعمر. ("مجموع الفتاوى"/4/ص 435).
عبد الله بن سبأ والسبئية
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
فأول من ابتدع الرفض كان منافقا زنديقا، يقال له : عبد الله بن سبأ فأراد بذلك
إفساد دين المسلمين، كما فعل "بولص" صاحب الرسائل التي بأيدي النصارى، حيث ابتدع لهم بدعا أفسد بها دينهم،
وكان يهوديا، فأظهر النصرانية نفاقا فقصد إفسادها. وكذلك كان ابن سبأ يهوديا فقصد
ذلك، وسعى في الفتنة لقصد إفساد الملة، فلم يتمكن من ذلك، لكن حصل بين المؤمنين
تحريش، وفتنة قتل فيها عثمان رضي الله عنه، وجرى ما جرى من الفتنة، ولم يجمع الله
ولله الحمد هذه الأمة على ضلالة، بل لا يزال فيها طائفة قائمة بالحق لا يضرّها من
خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة([4]) ، كما شهدت بذلك النصوص المستفيضة في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم
.
ولما أحدثت البدع الشيعية
في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ردها، وكانت ثلاثة طوائف : غالية،
وسبابة، ومفضلة . فأما الغالية فإنه حرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم من باب
كندة فسجد له أقوام، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : أنت هو الله، فاستتابهم ثلاثا فلم
يرجعوا، فأمر في الثالث بأخاديد فخدت، وأضرم فيها النار، ثم قذفهم فيها، وقال :
لما رأيت الأمر أمرا منكرا
أججت ناري ودعوت قنبرا
وفي "صحيح البخاري" أن عليا أتى بزنادقتهم فحرقهم، وبلغ ذلك ابن عباس فقال : أما أنا فلو كنت
لم أحرقهم، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم؛
لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «من بدل دينه فاقتلوه» ([5]).
وأما السبابة فإنه لما بلغه
من سب أبا بكر وعمر طلب قتله فهرب منه إلى قرقيسيا، وكلمه فيه، وكان علي يداري
أمراءه؛ لأنه لم يكن متمكنا ولم يكونوا يطيعونه في كل ما يأمرهم .
وأما المفضلة فقال : لا
أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترين([6])، وروي عنه من أكثر من ثمانين وجها أنه قال : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو
بكر، ثم عمر. ([7]) وفي "صحيح البخاري" عن محمد ابن الحنفية أنه قال لأبيه : يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : يا بني، أو ما تعرف ؟ قال : لا . قال : أبو بكر، قال
: ثم من ؟ قال : عمر ([8]). وفي الترمذي وغيره أن عليا روى هذا التفضيل عن النبي صلى الله عليه وسلم
.
والمقصود هنا أنه قد كذب
على علي بن أبي طالب من أنواع الكذب الذي لا يجوز نسبتها إلى أقل المؤمنين، حتى
أضافت إليه القرامطة([9])، والباطنية([10])، والخرمية([11])، والمزدكية([12])، والإسماعيلية([13])، والنصيرية([14]) مذاهبها التي هي من أفسد مذاهب العالمين، وادعوا أن ذلك من العلوم
الموروثة عنه. وهذا كله إنما أحدثه المنافقون الزنادقة الذين قصدوا إظهار ما عليه
المؤمنون وهم يبطنون خلاف ذلك واستتبعوا الطوائف الخارجة عن الشرائع، وكان لهم
دول، وجرى على المؤمنين منهم فتن. ("مجموع الفتاوى"/35 /ص184-186).
رأس السبئية عبد الله بن
سبأ . هو رأس الطائفة السبئية وهو الذي قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنت
الإله ! فنفاه عليٌّ إلى المدائن فلما قتل علي كرم الله وجهه زعم عبد الله بن سبأ
أنه لم يمت لأن فيه جزءاً إلهياً فإن ابن ملجم إنما قتل شيطاناً تصور بصورة علي
وأن علياً في السحاب وأن الرعد صوته والبرق سوطه وأنه ينزل إلى الأرض ويملؤها
عدلاً . وهذه الطائفة إذا سمعت صوت الرعد قالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ! ("الوافي في الوفيات"/ص 2393).
وقال الإمام الذهبي رحمه
الله: عبدالله بن سبأ من غلاة الزنادقة. ضال مضل. أحسب أن عليا حرقه بالنار. وقد
قال الجوزجاني: زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي، فنهاه علي بعد ما
هم به. ("ميزان الاعتدال"/2
/ص426).
الباب
الثالث: أسباب كفر الرافضة وردتهم
إن الله تعالى جعل الإيمان
مناط الأخوة حيث قال: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{ [الحجرات: 10].
فإذا ذهب الإيمان ذهبت الأخوة. والإيمان يذهب من العبد بارتكابه ناقضا من
نواقض الإسلام فصار كافرا مرتدا.
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا
الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة/11].
فشرط الأخوة الإسلامية عند الله: التوبة من الشرك والكفر، وإقامةُ الصلاة،
وإيتاءُ الزكاة. فتارك الصلاة ليس أخا لنا في الله.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في تفسير الآية: فعلَّق الأخوَّةَ في الدين على
التوبة من الشرك وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة، كما علَّق تركَ القتال على ذلك
بقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا
سَبِيلَهُمْ﴾. ("جامع المسائل لابن تيمية"/4/ص
105).
وقال
الإمام ابن القيم رحمه الله: فعلق إخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة، فإذا لم يفعلوا لم
يكونوا إخوة المؤمنين، فلا يكونوا مؤمنين لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. ("الصلاة وأحكام تاركها"/ص
22).
وقد
كثرت تآليف العلماء في بيان كفر الرافضة. فمن أسباب كفر الرافضة من يلي:
الأول: عظم شركهم بالله
قد نص الأئمة على أن الشركيات الكبرى كفر مخرجة من الإسلام
قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن من دعا ميتا، وإن كان من الخلفاء الراشدين
فهو كافر، وإنّ من شك في كفره فهو كافر. (كتاب "الإقناع"/نقله الإمام الشوكاني رحمه
الله في "الدر النضيد"/ص121/مكتبة الفلاح).
وقال أبو
الوفاء بن عقيل الحنبلي رحمه الله في "الفنون": لما صعبت التكاليف على
الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها، فسهلت عليهم إذا لم
يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور،
وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: (يا مولاي افعل لي كذا وكذا)، وإلقاء
الخرق على الشجر اقتداءً بمن عبد اللات والعزى. (نقله
الإمام الشوكاني رحمه الله في "الدر النضيد"/ص121/مكتبة الفلاح).
وقال زين الدين
القاسم بن قطلوبغا الحنفي رحمه الله في شرحه على "درر البحار": إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى
قبر بعض الصلحاء قائلا: (يا سيدي فلان إن رد غائبي، أو عوفي مريضي فلك من الذهب أو
الفضة أو الشمع أو الزيت كذا) باطل إجماعا لوجوه، منها: أنه نذر مخلوق
والنذر للمخلوق لا يجوز ؛ لأنه عبادة والعبادة لا تكون للمخلوق. ومنها: أن المنذور
له ميت والميت لا يملك. ومنها إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقاده
ذلك كفر. (نقله ابن نجيم في
"البحر
الرائق شرح كنز الدقائق" /6/ص289).
وقال الخطيب
الشربيني الشافعي رحمه الله: لا تحل ذبيحة مسلم ولا غيره لغير الله لأنه مما أهل
به لغير الله، بل إن ذبح المسلم لذلك تعظيما وعبادة كفر كما لو سجد له
لذلك. ("مغني المحتاج"/10 /ص265).
كثرت النصوص
على كفر من تعاطي الشرك الأكبر. والرافضة لهم حظ عظيم في هذه القبائح.
قال القاضي عياض رحمه الله: إن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية، أو الوحدانية،
أو عبادة أحد غير الله أو مع الله فهي كفر، كمقالة الدهرية وسائر فرق أصحاب
الاثنين من الديصانية، والمانوية، وأشباههم من الصابئين، والنصارى، والمجوس، والذين
أشركوا بعبادة الأوثان، أو الملائكة، أو الشياطين، أو الشمس، أو النجوم، أو
النار، أو أحد غير الله من مشركي العرب، وأهل الهند، والصين، والسودان، وغيرهم ممن
لا يرجع إلى كتاب. وكذلك القرامطة، وأصحاب الحلول والتناسخ من الباطنية
والطيارة من الروافض. ("الشفا بتعريف حقوق المصطفى"/2 /ص282).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: فإنهم مشركون كما جاء فيهم الحديث
لأنهم أشد الناس تعظيما للمقابر التي اتخذت أوثانا من دون الله . وهذا باب يطول
وصفه . ("مجموع الفتاوى"/28 /ص 485).
وقال العلامة
الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله: فانظر، رحمك الله، إلى كلام السلف
الصالح، وتحذيرهم عن مجالسة أهل البدع، والإصغاء إليهم، وتشديدهم في ذلك، ومنعهم
من السلام عليهم. فكيف بالرافضة، الذين أخرجهم أهل السنة والجماعة، من الثنتين
والسبعين فرقة؟ مع ما هم عليه من الشرك البواح، من دعوة غير الله في الشدة والرخاء،
كما هو معلوم من حالهم. ("الدرر السنية
في الكتب النجدية"/10 /ص 451).
وقال الإمام ابن باز رحمه الله: فالرافضة عُبَّاد غير الله كَفَرَة.
("شرح كتاب فضل الإسلام"/لابن باز / ص 29).
الثاني: غلوهم في تعظيم
بعض المخلوقين
يقول شيخ الرافضة –الممقاني-: ومن ضروريات
مذهبنا أن الأئمة عليهم السلام أفضل من أنبياء بني إسرائيل كما نطقت بذلك النصوص
المتواترة.. ولا شبهة عند كل ممارس لأخبار أهل البيت عليهم السلام (يعني أئمته
الاثني عشر) أنه كان يصدر من الأئمة عليهم السلام خوارق للعادة نظير ما كان يصدر
من الأنبياء بل أزيد، وأن الأنبياء والسلف انفتحت لهم باب أو بابان من العلم،
وانفتحت للأئمة عليهم السلام بسبب العبادة والطاعة التي تذر العبد مثل الله إذا
قال لشيء كن فيكون جميع الأبواب. (انظر "تنقيح المثال"/3/ص232). (انتهى النقل من "أصول
مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد"/3 /ص1196/لناصر بن عبد الله القفاري رحمه الله).
قال القاضي عياض رحمه الله: قوله : «أنت مني بمنزلة هرون من موسى»([15]) : يريد في تقديمه على من يخلفه ، استثنى من حال هارون بعض صفاته وهى
النبوة ؛ لأن هارون كان نبيا ، وقد أعلم النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه لا نبي
بعده ، ومعناه منذ بعث، أي بعد مبعثه انقطعت النبوة فلا نبي حتى تقوم الساعة. وفى
طيّ ذلك تنبيهه - عليه الصلاة والسلام - على ما اقترفه غلاة الرافضة على عليّ من
النبوة حتى ترقى بعضهم فيه إلى دعوى ألوهيته من زمنه - رضي الله عنه - إلى أيامنا
هذه ، وقد حرَّق بعضهم - رضي الله عنه - على هذه الدعوة ، فزادهم ذلك ضلالا ،
وقالوا : الآن تحققنا أنه الله ؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا الله. ("إكمال المعلم شرح صحيح مسلم"/للقاضي عياض/7 /ص 208).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: والغلاة من الرافضة حيث غلوا
في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بأوصاف الإله. ("الصواعق المرسلة"/4/ص 1544).
وقال الإمام سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله: فليعلم أن المنتسب إلى
الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام وذلك بأسباب منها الغلو
الذي ذمه الله في كتابه حيث قال ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾ وعلي بن
أبي طالب رضي الله عنه حرق الغالية من الرافضة فأمر بأخاديد خدّت لهم عند باب كندة
فقذفهم فيها واتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم، لكن ابن عباس كان
مذهبه أن يقتلوا بالسيف من غير تحريق وهو قول أكثر العلماء. ("تيسير العزيز الحميد"/ص 266).
وقال فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله: والخميني زعيم الرافضة في
هذا العصر، والذي هلك قبل سنوات، يقول في كتابه "الحكومة
الإسلامية": وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي
مرسل. ("شرح سنن أبي داود"/عبد المحسن العباد/2/ص 378).
الثالث:
نصرتهم للشركيات
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وأصل هذا
الكذب هو الضلال والابتداع والشرك، فإن الضُلّال ظنوا أن شد الرحال إلى هذه
المشاهد ؛ والصلاة عندها والدعاء والنذر لها ؛ وتقبيلها واستلامها وغير ذلك من
أعمال البر والدين، حتى رأيت كتابا كبيرا قد صنفه بعض أئمة الرافضة "محمد بن
النعمان" الملقب بالشيخ المفيد، شيخ الملقب بالمرتضى، وأبي جعفر الطوسي سماه
"الحج إلى زيارة المشاهد" ذكر فيه من الآثار عن النبي صلى الله عليه
وسلم وأهل بيته وزيارة هذه المشاهد والحج إليها ما لم يذكر مثله في الحج إلى بيت
الله الحرام. وعامة ما ذكره من أوضح الكذب وأبين البهتان، حتى أني رأيت في ذلك من
الكذب والبهتان أكثر مما رأيته من الكذب في كثير من كتب اليهود والنصارى. وهذا
إنما ابتدعه وافتراه في الأصل قوم من المنافقين والزنادقة ؛ ليصدوا به الناس عن
سبيل الله . ويفسدوا عليهم دين الإسلام وابتدعوا لهم أصل الشرك المضاد لإخلاص
الدين لله. ("مجموع الفتاوى"/4/ص 517).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: وقد
آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا ووضعوا له مناسك حتى صنف
بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام. ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام،
ودخول في دين عباد الأصنام. فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله
صلى الله
عليه وسلم وقصده : من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه
هؤلاء وقصدوه. ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره. ("إغاثة اللهفان"/ص197).
الرابع:
اعتقادهم أن بعض المخلوقين جزء من الخالق، أو أن الخالق حالّ فيه
قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله: وحكي أن
فرقة من الرافضة يقال لهم النميرية أصحاب النميري يقولون: إن البارئ كان حالا في
النميري. ("مقالات الإسلاميين"/ص 15).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: وأما أن يكون الخلق جزءا من الخالق تعالى .
فهذا كفر صريح يقوله أعداء الله النصارى ومن غلا من الرافضة؛ وجهال المتصوفة ومن
اعتقده فهو كافر. ("مجموع الفتاوى"/11 / ص 74).
وقال الفاضي عياض رحمه الله بعد ذكر عدد من الكفريات: كله كفر بإجماع
المسلمين كقول الإلهيين من الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين. وكذلك من ادعى مجالسة
الله، والعروج إليه، ومكالمته، أو حلوله في أحد الأشخاص كقول بعض المتصوفة
والباطنية النصارى والقرامطة. ("الشفا بتعريف حقوق المصطفى"/2 /ص283).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في
البشر واتحاده به وإن البشر يكون إلها وهذا من الآلهة فهو كافر مباح الدم. وعلى
هذا قتل الحلاج. ("مجموع الفتاوى"/2 /ص481).
الخامس:
ردّهم للقرآن حيث أن القرآن أثنى على الصحابة وأكرمهم وحقق إيمانهم، وهم يكفرون
الصحابة ويسبّونهم.
قال الإمام النووي رحمه الله: وقال القاضي: ولا شك في كفر من قال هذا، لأن
من كفّر الأمة كلها والصدر الأول فقد أبطل نقل الشريعة وهدم الإسلام. ("شرح النووي على مسلم"/15/
ص174).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: وأصل قول الرافضة : أن النبي صلى الله عليه وسلم
نص على علي نصا قاطعا للعذر ؛ وأنه إمام معصوم ومن خالفه كفر ؛ وأن المهاجرين
والأنصار كتموا النص وكفروا بالإمام المعصوم ؛ واتبعوا أهواءهم وبدلوا الدين
وغيروا الشريعة وظلموا واعتدوا ؛ بل كفروا إلا نفرا قليلا : بضعة عشر أو أكثر ثم
يقولون : إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين . وقد يقولون : بل آمنوا ثم
كفروا . ("مجموع الفتاوى"/ 3/ص 356).
وقال رحمه الله: ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة وما اتفق
عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة - في الأعمال
والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها - : القرن الأول ثم الذين يلونهم
ثم الذين يلونهم كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه وأنهم أفضل
من الخلف في كل فضيلة : من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان وعبادة وأنهم أولى
بالبيان لكل مشكل. هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام
وأضله الله على علم. ("مجموع الفتاوى"/4/ص 157-158).
وقال رحمه الله: وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة
والثناء عليهم وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون. فالقدح فيهم قدح في القرآن
والسنة. ولهذا تكلم الناس في تكفير الرافضة بما قد بسطناه في غير هذا الموضع .
والله سبحانه وتعالى أعلم. ("مجموع الفتاوى"/4/ص 430).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: رد الرافضة النصوص الصحيحة الصريحة
المحكمة المعلومة عند خاص الأمة وعامتها بالضرورة في مدح الصحابة والثناء عليهم
ورضاء الله عنهم ومغفرته لهم وتجاوزه عن سيئاتهم ووجوب محبة الأمة واتباعهم لهم
واستغفارهم لهم واقتدائهم بهم بالمتشابه من قوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب
بعضكم رقاب بعض»([16]) ونحوه. ("إعلام الموقعين"/2
/ص 304).
ومن جحد ما يعلم من الدين بالضرورة كافر. قال الإمام أبو زكريا
النووي رحمه الله: واعلم أن مذهب أهل الحق: ... وأن من جحد ما يعلم من دين
الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية
بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه فيعرّف ذلك ؛ فإن استمر حكم بكفره. ("شرح النووي
على مسلم"/الإيمان/بيان الإيمان/1/ص 69).
وقال القرطبي رحمه الله في وجوب احترام الصحابة: إذ لا خلاف في وجوب
احترامهم، وتحريم سبهم، ولا يختلف في أن من قال: إنَّهم كانوا على كفر أو ضلال
كافر يقتل؛ لأنَّه أنكر معلومًا ضروريًا من الشرع، فقد كذب الله ورسوله فيما أخبرا
به عنهم. وكذلك الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة، أو ضللهم. وهل حكمه حكم
المرتد فيستتاب أو حُكم الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال؟ هذا مِمَّا يختلف
فيه، فأمَّا من سبهم بغير ذلك؛ فإنَّ كان سبًّا يوجب حدًّا كالقذف حُدَّ حدَّه، ثم
ينكل التنكيل الشديد من الحبس، والتخليد فيه، والإهانة ما خلا عائشة رضي الله
عنها، فإنَّ قاذفها يقتل؛ لأنَّه مكذِّبٌ لما جاء في الكتاب والسنة من براءتها.
قاله مالك وغيره، ...إلخ. ("المفهم"/11/ص 20).
وقال العلامة محمود الألوسي رحمه الله: وقد علمت أن سب الصحابي -لاستلزامه
إنكار ما قام عليه الإجماع- كفر على ما سبق. ("صب
العذاب على من سب الأصحاب"/ص 234).
وقال بعض علماء الهند: ويجب إكفارهم بإكفار عثمان وعلي وطلحة وزبير وعائشة
- رضي الله تعالى عنهم -. ("الفتاوى الهندية" /2/ص 264)
السادس: موالاتهم للكفار.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في الرافضة: وأكثرهم
يكفّر من خالف قولهم، ويسمون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفارا، ويجعلون مدائن
الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردة أسوأ حالا من مدائن المشركين والنصارى،
ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين، وعلى معاداتهم
ومحاربتهم: كما عرف من موالاتهم الكفار المشركين على جمهور المسلمين ؛ ومن
موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور المسلمين ؛ ومن موالاتهم اليهود على جمهور
المسلمين . ("مجموع الفتاوى"/3 /ص 356).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في
الرافضة: فإنه
قط ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام، وكم جروا على
الإسلام وأهله من بلية؟ وهل عاثت سيوف المشركين عباد الأصنام من عسكر هولاكو وذويه
من التتار إلا من تحت رءوسهم؟ وهل عطلت المساجد، وحرقت المصاحف، وقتل سروات
المسلمين وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم، إلا بسببهم ومن جرائهم؟ ومظاهرتهم للمشركين
والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة، وآثارهم في الدين معلومة. ("مدارج السالكين"/1/ 94).
وموالاة الكفار تقتضي فساد الإيمان. قال
الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله
لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ [المائدة/51].
قال الإمام ابن
القيم رحمه الله: وقَطَع الموالاة بين اليهود والنصارى وبين المؤمنين، وأخبر أنه
من تولاهم فإنه منهم في حكمه المبين –ثم ذكر هذه
الآية-، وأخبر عن حال متوليهم بما في قلبه من المرض المؤدي إلى فساد العقل
والدين، فقال: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا
دَائِرَةٌ فَعَسَى الله أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ
فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِين﴾ [المائدة/52].
ثم أخبر عن حبوط أعمال متوليهم ليكون المؤمن لذلك من الحذرين، فقال تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا
بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ
فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾. ("أحكام أهل الذمة"/1/ص 487-488).
السابع
: اعتقادهم أن القرآن مخلوق
قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله: قالت
المعتزلة والخوارج وأكثر الزيدية والمرجئة وكثير من الرافضة: إن القرآن كلام الله
سبحانه وإنه مخلوق لله لم يكن ثم كان. ("مقالات الإسلاميين"/ص 582).
ومن قال بخلق القرآن فإنه كافر. قال الإمام الثوري رحمه الله: القرآن كلام
الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، من قال غير هذا فهو كافر. ("السنة للثوري"/ص1).
ومن جراء القول بأن القرآن مخلوق امتهانه وعدم احترامه. قال شيخ الإسلام
رحمه الله فيمن تأثر بالفلسفة: ... ثم تبع أقوام من أتباعهم أحد أهل المذهب و أن
القرآن معنى قائم بذات الله فقط و أن الحروف ليست من كلام الله بل خلقها الله في
الهواء أو صنفها جبريل أو محمد، فضموا إلى ذلك أن المصحف ليس فيه إلا مداد وورق، وأعرضوا
عما قاله سلفهم من أن ذلك دليل على كلام الله فيجب احترامه لما رأوا أن مجرد كونه
دليلا لا يوجب الاحترام كالدليل على الخالق المتكلم بالكلام، فإن الموجودات كلها
أدلة عليه، ولا يجب احترامها. فصار هؤلاء يمتهنون المصحف حتى يدوسوه بأرجلهم.
ومنهم من يكتب أسماء الله بالعذرة إسقاطا لحرمه ما كتب في المصاحف و الورق من
أسماء الله و آياته. ("مجموع الفتاوى"/8 /ص425).
وقال أبو بكر
ابن المعلى الحصني رحمه الله نقلا عن فقهاء عصره (ت: 829 هـ): من ألقى مصحفا في
القاذورة كفر وإن ادعى الإيمان، لأن ذلك يدل على استهزائه بالدين.
("كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار" /ص382).
قلت: وقد حصل استهانة القرآن من قِبل رافضة اليمن حتى يدوس أحدهم المصحف
بلا إنكار منهم بعد أن قتلوا بعض أهل السنة في الطريق.
الثامن: اعتقادهم عصمة
أئمتهم
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وأول من نقل
عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقا، وأعظمهم قولا لذلك : الرافضة، فإنهم
يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل. وينقلون ذلك إلى
من يعتقدون إمامته، وقالوا بعصمة علي والاثني عشر. ثم "الإسماعيلية"
الذين كانوا ملوك القاهرة وكانوا يزعمون أنهم خلفاء علويون فاطميون، وهم عند أهل
العلم من ذرية عبيد الله القداح، كانوا هم وأتباعهم يقولون بمثل هذه العصمة
لأئمتهم ونحوهم، مع كونهم كما قال فيهم أبو حامد الغزالي - في كتابه الذي صنفه في
الرد عليهم - قال : ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض. وقد صنف القاضي
أبو يعلى وصف مذاهبهم في كتبه، وكذلك غير هؤلاء من علماء المسلمين، فهؤلاء
وأمثالهم من الغلاة القائلين بالعصمة، وقد يكفّرون من ينكر القول بها. وهؤلاء
الغالية هم كفار باتفاق المسلمين. ("مجموع الفتاوى"/4 / ص 320).
اعتقاد عصمة غير الأنبياء عليهم السلام
مخالف لحديث
أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى
أنه قال: «... يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا
فاستغفروني أغفر لكم». الحديث. (أخرجه مسلم (2577)).
التاسع:
تقريرهم دين أهل الكتاب وعباد النيران.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وقد عرف
العارفون بالإسلام : أن الرافضة تميل مع أعداء الدين . ولما كانوا ملوك القاهرة كان
وزيرهم مرة يهوديا ومرة نصرانيا أرمينيا، وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني
الأرميني، وبنوا كنائس كثيرة بأرض مصر في دولة أولئك الرافضة المنافقين.
وكانوا ينادون بين القصرين : من لعن وسب فله دينار وإردب . وفي أيامهم أخذت
النصارى ساحل الشام من المسلمين حتى فتحه نور الدين وصلاح الدين . وفي أيامهم جاءت
الفرنج إلى بلبيس وغلبوا من الفرنج ؛ فإنهم منافقون وأعانهم النصارى، والله لا
ينصر المنافقين الذين هم يوالون النصارى فبعثوا إلى نور الدين يطلبون النجدة،
فأمدهم بأسد الدين وابن أخيه صلاح الدين. فلما جاءت الغزاة المجاهدون إلى ديار مصر
قامت الرافضة مع النصارى فطلبوا قتال الغزاة المجاهدين المسلمين، وجرت فصول يعرفها
الناس حتى قتل صلاح الدين مقدمهم شاور. ومن حينئذ ظهرت بهذه البلاد كلمة الإسلام
والسنة والجماعة، وصار يقرأ فيها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كالبخاري ومسلم
ونحو ذلك، ويذكر فيها مذاهب الأئمة، ويترضى فيها عن الخلفاء الراشدين ؛ وإلا
كانوا قبل ذلك من شر الخلق. فيهم قوم يعبدون الكواكب، ويرصدونها، وفيهم قوم زنادقة
دهرية لا يؤمنون بالآخرة ولا جنة ولا نار، ولا يعتقدون وجوب الصلاة، والزكاة،
والصيام، والحج. وخير من كان فيهم الرافضة، والرافضة شر الطوائف المنتسبين إلى
القبلة . فبهذا السبب وأمثاله كان إحداث الكنائس في القاهرة وغيرها. ("مجموع الفتاوى"/28/ص 637-638).
ومن فعل هذا فإنه كافر. قال شيخ الإسلام
رحمه الله في رده على الرافضة: فإن من يقرر دين اليهود والنصارى والمجوس ويطعن في
دين الخلفاء الراشدين المهديين والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: لا
يكون إلا من أجهل الناس وأكفرهم. ("مجموع الفتاوى"/4/ص 490).
العاشر:
اعتقادهم نبوة غير محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة
قال القرطبي رحمه الله: وقوله : «غير
أنه لا نبي بعدي»([17]) ؛ إنما قاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحذيرًا مما وقعت فيه طائفة
من غلاة الرَّافضة ؛ فإنَّهم قالوا : إن عليًّا نبي يوحى إليه. وقد تناهى
بعضهم في الغلو إلى أن صار في علي إلى ما صارت إليه النصارى في المسيح ، فقالوا :
إنه الإله. وقد حرَّق علي رضى الله عنه من قال ذلك، فافتتن بذلك جماعه منهم،
وزادهم ضلالاً ، وقالوا : الآن تحققنا : أنه الله ؛ لأنَّه لا يعذب بالنار إلا
الله . وهذه كلها أقوال عوام ، جهَّال ، سخفاء العقول ، لا يُبالي أحدهم بما يقول،
فلا ينفع سهم البرهان، لكن السَّيف والسَّنان. ("المفهم
لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"/20/ص
27).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: أن الرافضة أكذب طوائف الأمة على الإطلاق، وهم
أعظم الطوائف المدعية للإسلام غلوا وشركا، ومنهم كان أول من ادعى الإلهية في
القراء، وادعى نبوة غير النبي صلى الله عليه وسلم كمن ادعى نبوة علي،
وكالمختار بن أبي عبيد ادعى النبوة. ("مجموع الفتاوى"/27 /ص 175-176).
وقال رحمه الله : وحكي عنهم أن كثيرا
منهم يثبت نبوة بيان بن سمعان، ثم يزعم كثير منهم أن أبا هاشم عبدالله بن
محمد بن الحنفية نص على نبوة بيان بن سمعان، وجعله إماما. ونقلوا عن المغيرية
أصحاب المغيرة بن سعيد أنهم يزعموه أنه كان يقول إنه نبي، وأنه يعلم اسم الله
الأكبر. ("منهاج السنة النبوية"/2/ص
303).
الحادي
عشر: إنكار الواجبات واستباحة المحرمات
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وفي هؤلاء
خلق كثير لا يقرون بصلاة، ولا صيام، ولا حج، ولا عمرة، ولا يحرمون الميتة، والدم،
ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنة والنار. من جنس الإسماعيلية والنصيرية والحاكمية
والباطنية وهم كفار أكفر من اليهود والنصارى بإجماع المسلمين. ("مجموع الفتاوى"/28/ص 408).
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله عن
الرافضة: فقد جربناه وجربه من قبلنا فلم تجدوا رجلا رافضيا يتنزه عن شيء من محرمات
الدين كائنا من كان، ولا تغتر بالظواهر، فإن الرجل قد يترك
المعصية في الملأ ويكون أعفّ الناس عنها في الظاهر، وهو إذا أمكنته فرصة انتهزها
انتهاز من لا يخاف ناراً ولا يرجو جنة. وقد رأيت من كان منهم مؤذّناً ملازماً
للجماعات فانكشف سارقا، وآخر كان يؤم الناس في بعض مساجد صنعاء، وله سمت حسن وهدي
عجيب، وملازمة للطاعة، وكنت أكثر التعجب منه، كيف يكون رافضيا؟ ثم سمعت بعد ذلك
عنه بأمور تقشعر لها الجلود، وترجف منها القلوب. ("أدب الطلب"/ص63/دار الكتب العلمية).
وقال العلامة محمود شكري الألوسي رحمه الله: ومن الروافض من
يزعم أن إمامه لا يجب عليه شيء وله أن يفعل ما يشاء، وله أيضا إسقاط التكاليف
الشرعية. ("صب العذاب على
من سب الأصحاب"/ص 333).
هذا الاعتقاد كفر وردة. إن الله قد
أوجب عليهم التوحيد في العبادة، والصلاةَ، والزكاةَ، والحج البيت وغير ذلك من
واجبات الدين، وهم يقولون: ليست واجبة!
قال الله
تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا
إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا
الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ * إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ
فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 5،
6].
والذين يجحدون وجوب حج البيت أيضا كافر.
قال الله تعالى: ﴿وَالله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل
عمران: 97].
قال شيخ الإسلام رحمه
الله: وقد اتفق المسلمون على أن من جحد وجوب مباني الإسلام الخمس: الشهادتين،
والصلوات الخمس، والزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت فإنه كافر. ("الجواب الصحيح"/2 /ص126).
وكذلك الله تعالى قد حرم علينا الفواحش
وجميع المنكرات. فمن أباحها بعد علمه بتحريم الله فقد كفر. قال القاضي عياض رحمه
الله: وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحلّ القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا،
مما حرم الله بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة. وكذلك
نقطع بتكفير كل من كذّب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما عرف يقينا بالنقل المتواتر
من فعل الرسول ووقع الإجماع المتصل عليه، كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس، وعدد
ركعاتها، وسجداتها. ("الشفا" /2/ص 287).
الثاني عشر: عدم الإيمان
بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا
قال الإمام البربهاري رحمه الله: واعلم
أن الأهواء كلها ردية تدعو إلى السيف. وأردؤها وأكفرها: الرافضة والمعتزلة
والجهمية فإنهم يريدون الناس على التعطيل والزندقة. ("طبقات
الحنابلة"/2/ص 37).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: من المخازي عنهم وصرح بما ذكرناه عنهم وبأكثر
منه، وهم مع هذا الأمر يكفرون كل من آمن بأسماء الله وصفاته التي في الكتاب والسنة
وكل من آمن بقدر الله وقضائه : فآمن بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وأنه خالق كل
شيء . ("مجموع الفتاوى"/28 /ص 481).
وقال رحمه الله في مخالفة الرافضة لكتاب الله: وقد ذكر في كتابه من أسمائه
وصفاته ما هم كافرون به. ("مجموع الفتاوى"/28 /ص 485).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: والرافضة المتقدمون لم
يكونوا جهمية معطلة. وأما المتأخرون منهم من حدود أواخر المائة الثالثة فضموا
إلى بدعة الرفض التجهم والقدر، فتغلظ أمرهم، وظهر منهم حينئذ القرامطة
والباطنية، واشتهرت الزندقة الغليظة والنفاق الأعظم في أمرائهم وعلمائهم وعامتهم. ("الصواعق المرسلة"/4/ص 1406).
فمن لم يؤمن بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا فقد كفر بقول الله تعالى: ﴿وَلله الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ
يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].
قال شيخ الإسلام رحمه الله في رده على من أنكر أسماء الله وصفاته: وهؤلاء
الذين يسميهم المسلمون الملاحدة؛ لأنهم ألحدوا في أسماء الله وآياته وقد قال الله
تعالى: ﴿وَلله الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ
يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [ الأعراف : 180 ] ، وقال تعالى : ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ [ فصلت : 40 ] ، وهؤلاء شر من المشركين الذين أخبر الله عنهم بقوله : ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم
نفورا﴾ [ الفرقان : 60 ] ، وقال تعالى: ﴿كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم
يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب﴾ [ الرعد : 30 ] .
فإن أولئك المشركين إنما أنكروا اسم الرحمن فقط، وهم لا ينكرون أسماء الله
وصفاته؛ ولهذا كانوا عند المسلمين أكفر من اليهود والنصارى . ("مجموع الفتاوى"/5/ص197).
الثالث
عشر: كلام قبيح في جناب النبي صلى الله عليه وسلم العزيز، أو التوصل إلى طعنه
قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله في
الرافضة: والصنف الثاني عشر من أصناف الغالية يزعمون أن عليا هو الله، ويكذّبون
النبي، ويشتمونه، ويقولون: إن عليا وجه به ليبين أمره فادعى الأمر لنفسه. ("مقالات الإسلاميين"/ص 14).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: ومنهم من
يرى أن فرج النبي صلى الله عليه وسلم الذي جامع به عائشة وحفصة لا بد أن تمسه
النار ليطهر بذلك من وطء الكوافر على زعمهم ؛ لأن وطء الكوافر حرام عندهم. ("مجموع الفتاوى"/28/ص 481).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: وأما الرافضة
فقدحهم وطعنهم في الأصل الثاني وهو شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وإن كانوا يظهرون موالاة أهل بيت الرسول ومحبتهم قال طائفة من أهل العلم منهم مالك
بن أنس وغيره: هؤلاء قوم أرادوا الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم
يمكنهم ذلك فطعنوا في الصحابة ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو
كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين. ("الصواعق
المرسلة"/4/ص
1405).
والقدح في النبي صلى الله
عليه وسلم كفر، لأن الله أوجب العباد بتوقيره، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ
صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]، وقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا
دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63]،
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: والتعزير : النصر والتوقير والتأييد. وقال
تعالى : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِالله
وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [ الفتح : 8، 9 ] ، فهذا في حق الرسول، ثم قال في حق الله تعالى : ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [ الفتح : 9 ]. ("مجموع الفتاوى"/1 /ص67).
قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ
آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ
مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [الأعراف: 157].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَبِالله
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ
كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ
طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: 65، 66].
قال الإمام
النووي رحمه الله: وقد أجمع المسلمون على أن الكلمة الواحدة من هجاء النبي صلى
الله عليه وسلم موجبة للكفر. ("شرح صحيح مسلم"/الشعر/7/ص 443).
وقال شيخ
الإسلام رحمه الله: وأما الرسل فقد تبين أنهم هم الوسائط بيننا وبين الله عز و جل
في أمره ونهيه ووعده ووعيده وخبره. فعلينا أن نصدقهم في كل ما أخبروا به، ونطيعهم
فيما أوجبوا وأمروا، وعلينا أن نصدق بجميع أنبياء الله عز و جل، لا نفرق بين أحد
منهم. ومن سب واحدا منهم كان كافرا مرتدا مباح الدم. ("مجموع الفتاوى"/1/ص308).
الرابع
عشر: إنكار السنة الثابتة
قال شيخ الإسلام رحمه الله في الرافضة: ومع
هذا يردون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة المتواترة عنه عند أهل
العلم مثل أحاديث البخاري ومسلم، ويرون أن شعر شعراء الرافضة : مثل الحميري([18]) وكوشيار الديلمي([19]) وعمارة اليمني([20]) خير من أحاديث البخاري ومسلم. ("مجموع الفتاوى"/28 /ص 481-482).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: وأخذوا من دين
المجوس والصابئة والمشركين ما خلطوه في الإسلام، وهم أعظم الطوائف نفورا عن سنة
النبي وحديثه وآثار أصحابه لمضادة ذلك لبدعتهم. ("الصواعق
المرسلة"/4/ص 1406).
وقال رحمه الله: فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة تخالف
مذاهبه ونحلته إلا ويمكنه أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها، ويقول: هذه السنة مخالفة
لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل. حتى أن الرافضة - قبحهم الله - سلكوا هذا
المسلك بعينه في رد السنن الثابتة المتواترة. ("الطرق الحكمية"/ص65-66).
فمن رد السنة
علم بصحته فقد كفر. قال الإمام ابن بطة العكبري رحمه الله: وكذلك وجوب الإيمان
والتصديق بجميع ما جاءت به الرسل من عند الله، وبجميع ما قال الله عز وجل، فهو حق
لازم. فلو أن رجلا آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئا واحدا كان بردّ ذلك
الشيء كافرا عند جميع العلماء. ("الشرح والإبانة
على أصول السنة والديانة"/لابن بطة العكبري/ص 133).
وقال ابن حزم رحمه الله: وصح الإجماع
على أن كل من جحد شيئاً صح عندنا بالإجماع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى به
فقد كفر. ("الفصل في الملل
والأهواء والنحل"/1/ص389).
وقال فضيلة الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله: نتبين أن الأمة
ما زالت، ولن تزال متفقة على أن السنة النبوية يجب أن تكون لها مقام معلوم في بيان
الأحكام، وأنها حجة قائمة بنفسها، وأنه يجب الرجوع إليها، إذا ثبتت، ولا يجوز
الحكم بالاجتهاد والرأي مع ثبوتها، وأنه قد ثبتت بها الأحكام، لو لم يرد بها
الكتاب، هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى، أنها بيان للقرآن، وتفسير له، ومفصّلة ما
أجمل فيه، وهذه المعاني كلها محل إجماع عند من يعتد بأقوالهم، ولا نعلم أحداً
خالف هذه القاعدة إلا الزنادقة وغلاة الرافضة الذين لا يتأثر الإجماع
بمخالفتهم، بل لا يستشارون إن حضروا، ولا يُسأل عنهم إذا غابوا، لأنهم فارقوا
جماعة المسلمين ونابذوهم، واتبعوا غير سبيل المؤمنين، بمواقفهم العدائية
لأصحاب رسول الله عليه الصلاة و السلام، ذلك الموقف الذي أدى إلى رد أحاديث
رسول الله عليه الصلاة والسلام - المصدر الثاني للتشريع الإسلامي- بدعوى أنها
رواية قوم كافرين؛ ومن باب ذر الرماد في العيون- عيون السذّج طبعاً- قالوا: نحن
نعمل بالقرآن، ونقتصر عليه. ("منزلة السنة"/ محمد أمان الجامي /ص15).
وهذا كفر، لأن رد السنة رد للقرآن، لأن القرآن أوجب العباد
طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقا. قال الإمام الألباني رحمه الله: فلا شك
أن إنكار السنة إطلاقاً ردة، لكن إنكار حديث بذاته، أنا لا أقول بهذا الكلام
في خصوص حديث معين، وأنا أفرق بين إنكار السنة جملة وتفصيلاً، وبين إنكار جزء من
السنة، فإذا كان هذا الإنكار لهذا الجزء مع الاعتراف بأن الرسول - صلى الله
عليه وآله وسلم - فعل أو قال فهو ردة أيضاً، أما إذا كان إنكار كما هو شأن
كثير من أهل الأهواء والبدع؛ لأنه لم يثبت عنده ولو بسبب جهله، فأنا أعتقد بفسقه
وليس بكفره. ("موسوعة
الألباني في العقيدة"/5/ ص525).
وقد سئل فضيلة
الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: كيف ترون التعامل مع من يرد سنة النبي صلى الله
عليه وسلم سواء كان ذلك جملة أو تفصيلا خاصة وأن من هؤلاء من يتولون الحكم في بعض
بلاد المسلمين اليوم؟
فأجاب رحمه
الله: الحكم فيمن رد السنة جملة -أي كلها- فهو كافر؛ فمن لم يقبل منها إلا
ما كان في القرآن فهو كافر؛ لأنه معارض للقرآن، مناقض لآيات القرآن، والله تعالى
يقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا الله وَالرَّسُولَ﴾، ويقول تعالى: ﴿وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ويقول: ﴿وَأَطِيعُوا
الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا
أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ... إلخ. ("فتاوى ورسائل سماحة الشيخ
عبد الرزاق عفيفي"/ص303).
قال فضيلة
الشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله: ووجوب الأخذ بالسنة، وأنها وحي تحرم مخالفتها
إذا صحت وثبتت، ولم تكن منسوخة، محل إجماع، فمن ردها فقد كفر. ("قمع الدجاجلة الطاعنين في
معتقد أئمة الإسلام الحنابلة"/ص 389).
الخامس
عشر: استحلالهم دماء المسلمين
قال شيخ الإسلام في مخالفة الرافضة
لكتاب الله: وذكر في كتابه –تعالى- من تحريم دماء
المسلمين وأموالهم وأعراضهم وتحريم الغيبة والهمز واللمز: ما هم أعظم الناس
استحلالا له. ("مجموع الفتاوى"/28 / ص 485).
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: فإنه
لا أمانة لرافضي قط على من يخالفه في مذهبه ويدين بغير الرفض، بل يستحل ماله ودمه
عند أدنى فرصة تلوح له، لأنه عنده مباح الدم والمال. وكل ما يظهره من المودة فهي
تقية، ويذهب أثره بمجرد إمكان الفرصة، وقد جربنا هذا تجريبا كثيرا، ... إلخ. ("أدب الطلب"/ص61/دار الكتب
العلمية).
وقال العلامة محمود شكري الألوسي رحمه الله: كم أجروا من
الروافض الدماء، وقتلوا منهم الألوف، ويتموا الأولاد وأيّموا النساء وسقوهم سم
الحتوف ، والوقائع معهم كثيرة، وقصص رزاياهم شهيرة : ومن أشهرها: وقعة كربلاء في
أيام نجيب باشا عليه الرحمة –إلى قوله:- ومتى
رأى الروافض تشاغل المسلمين بالحروب مع أعداء الله انتهزوا الفرص، فأثاروا من عثير
الفساد ما يغبر منه وجه البسيطة بلا اشتباه. نسأل الله تعالى أن يطهر الأرض منهم.
("صب العذاب على من سب
الأصحاب"/ص292-297).
يكفي بهذا الاستحلال كفر. قال القاضي
عياض رحمه الله: وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحلّ القتل، أو شرب الخمر،
أو الزنا، مما حرم الله بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة
المتصوفة. وكذلك نقطع بتكفير كل من كذّب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما عرف
يقينا بالنقل المتواتر من فعل الرسول ووقع الإجماع المتصل عليه، كمن أنكر وجوب
الصلوات الخمس، وعدد ركعاتها، وسجداتها. ("الشفا" /2/ص 287).
السادس
عشر: الكفر بقدرة الله
قال شيخ الإسلام في مخالفة الرافضة لكتاب الله: وذكر في كتابه من أنه على
كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء، وأنه ما شاء الله لا قوة إلا بالله : ما هم كافرون
به . ("مجموع الفتاوى"/28/ص 485).
وعن أبي حازم عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : «لا
يؤمن المرء حتى يؤمن بالقدر خيره وشره» قال أبو حازم: لعن الله دينا أنا أكبر
منه. يعني: التكذيب بالقدر. (أخرجه أحمد بن حنبل /(6703) / وسنده حسن. والحديث بطرقه وشواهده صححه الإمام
الألباني رحمه الله في "الصحيحة" ((2439)/المكتب الإسلامي)).
وعن يحيى بن
يعمر رحمه الله قال : ... قال ابن عمر: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم
برآء مني والذي يحلف به عبدالله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما
قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر . ثم ذكر حديث جبريل عليه السلام. (أخرجه مسلم
(8)).
السابع
عشر: تحريفهم الشديد للقرآن
قال القاضي عياض رحمه الله: وقد أجمع المسلمون أن القرآن
المتلو في جمبع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من
أول ﴿ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة/1] إلى آخر :
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس/1] أنه كلام الله ووحيه المنزل على
نبيه محمد صلى الله عليه و سلم، وأن جميع ما فيه حق، و أن من نقص منه حرفًا
قاصدًا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف
الذي وقع الإجماع عليه و أجمع على أنه ليس من القرآن عامدًا لكل هذا - أنه كافر.
ولهذا رأى مالك قتل من سبّ عائشة رضي الله عنها بالفرية لأنه خالف القرآن، و من
خالف القرآن قتل لأنه كذب بما فيه. ("الشفا"/ 2 / ص 250).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: الذين أدخلوا في دين الله ما ليس
منه، وحرفوا أحكام الشريعة ليسوا في طائفة أكثر منهم في الرافضة، فإنهم أدخلوا في
دين الله من الكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم ما لم يكذبه غيرهم، وردّوا
من الصدق ما لم يرده غيرهم، وحرفوا القرآن تحريفا لم يحرفه غيرهم، مثل
قولهم: إن قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ سورة ]المائدة: 55[ نزلت في علي لما تصدق
بخاتمه في الصلاة. وقوله تعالى: ﴿مرج البحرين﴾ ]سورة الرحمن:
19[
علي وفاطمة، ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ ]سورة الرحمن:
22[
الحسن والحسين، ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ ]سورة يس: 12[ علي بن أبي طالب، ﴿إن
الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران﴾ ]سورة آل عمران:
33[
هم آل أبي طالب، واسم أبي طالب عمران، ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ ]سورة التوبة: 12[ طلحة والزبير، ﴿والشجرة الملعونة في القرآن﴾ ]سورة الإسراء: 60[ هم بنو أمية، ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ ]سورة البقرة: 67[ عائشة، و﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ ]سورة الزمر: 65[ لئن أشركت بين أبي
بكر وعلي في الولاية.
وكل هذا وأمثاله وجدته في كتبهم، ثم من هذا دخلت الإسماعيليه
والنصيرية في تأويل الواجبات والمحرمات، فهم أئمة التأويل الذي هو تحريف الكلم عن
مواضعه. ومن تدبر ما عندهم وجد فيه من الكذب في المنقولات، والتكذيب بالحق منها،
والتحريف لمعانيها ما لا يوجد في صنف من المسلمين. فهم قطعا أدخلوا في دين الله ما
ليس منه أكثر من كل أحد، وحرفوا كتابه تحريفا لم يصل غيرهم إلى قريب منه .
("منهاج السنة النبوية"/3 /ص403-405).
وقال رحمه الله: والجواب: أن هذا وأمثاله إنما يقوله من لا
يعقل ما يقول، وهذا بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن، وهو من جنس تفسير
الملاحدة، والقرامطة الباطنية للقرآن، بل هو شر من كثير منه. والتفسير بمثل
هذا طريق للملاحدة على القرآن والطعن فيه، بل تفسير القرآن بمثل هذا من أعظم القدح
فيه والطعن فيه. ("منهاج السنة
النبوية"/7 /ص245).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: فتحريف اللفظ: العدول به عن
جهته إلى غيرها، إما بزيادة وإما بنقصان وإما بتغيير حركة إعرابية، وإما غير
إعرابية، فهذه أربعة أنواع، وقد سلك فيها الجهمية والرافضة، فإنهم حرفوا نصوص
الحديث، ولم يتمكنوا من ذلك في ألفاظ القرآن، وإن كان الرافضة حرفوا كثيرا من لفظه،
وادعوا أن أهل السنة غيروه عن وجهه. ("مختصر الصواعق"/ص 387).
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: ونهيك بقوم بلغ الخذلان
بغلاتهم إلى إنكار بعض كتاب الله، وتحريف البعض الآخر، وإنكار سنة رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم، ... إلخ. ("أدب الطلب"/ص61-62/دار الكتب العلمية).
الثامن
عشر: ادعاؤهم أن القرآن ناقص أو متغير
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وكذلك من زعم
منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال
المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخية، وهؤلاء
لا خلاف في كفرهم. ("الصارم المسلول"/ص586).
وقال العلامة الألوسي رحمه الله: ... وكالاثني عشرية، فقد
كفرهم معظم علماء ما وراء النهر، وحكموا بإباحة دمائهم وأموالهم وفروج نسائهم؛ حيث
أنهم يسبون الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لا سيما الشيخين رضي الله تعالى عنهما،
وهما السمع والبصر منه عليه الصلاة والسلام. وينكرون خلافة الصديق رضي الله تعالى
عنه. ويفضلوا بأسرهم عليا كرم الله تعالى وجهه على الملائكة عليهم السلام وعلى غير
أولي العزم من المرسلين. ومنهم من يفضله عليهم أيضا ما عدا نبينا صلى الله عليه
وسلم ويحتجون على التفضيل بحجج أوهن من بيت العنكبوت قد ذكرناها في مختصر التحفة .
ويجحدون سلامة القرآن العظيم من الزيادة والنقص ، إلى غير ذلك من الفضائح.
("صب العذاب على من سب
الأصحاب"/ص231-232).
وذكر العلامة ملا علي القاري رحمه الله بأن من مكفرات الرافضة
ما يدعونه في كتاب الله من نقص وتغيير، وعرض بعض أقوالهم في ذلك. ("مجموع مؤلفات عقائد
الرافضة والرد عليها"/70 /ص201).
وقالت اللجنة الدائمة: ومن قال: إنه غير محفوظ أو دخله شيء من
التحريف أو النقص فهو ضال مضل، يستتاب فإن تاب وإلا وجب على ولي الأمر قتله
مرتدا؛ لأن قوله يصادم قول الله عز وجل: سورة الحجر الآية 9: ﴿إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ويصادم إجماع الأمة
على حفظه وسلامته، ولهذا أنكر علماء المسلمين على الشيعة الباطنية زعمهم أن القرآن
الذي بين أيدي المسلمين ناقص، وأن الذي عندهم هو الكامل، وهذا من أبطل الباطل. ("فتاوى اللجنة الدائمة
للبحوث العلمية والإفتاء"/4 /ص205).
التاسع عشر: الرافضة طعنوا
في جبريل الأمين
قال أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب الإصطخري: قال أبو عبد الله أحمد بن
محمد بن حنبل رحمه الله:... والمنصورية وهم رافضة من الروافض، وهم الذين يقولون من
قتل أربعين نفسا ممن خالف هواهم دخل الجنة، وهم الذين يخيفون الناس، ويستحلون
أموالهم، وهم الذين يقولون أخطأ جبريل عليه السلام بالرسالة وهذا هو الكفر
الواضح الذي لا يشوبه إيمان. فنعوذ بالله منهم. ("طبقات
الحنابلة"/1 /ص 31).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: أما من اقترن بسبه دعوى أن عليا
إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبريل في الرسالة فهذا لا شك في كفره،
بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. ("الصارم المسلول"/ص 586).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: وفي صبيحة يوم الاثنين الحادي
والعشرين منه قتل بسوق الخيل حسن بن الشيخ السكاكيني على ما ظهر منه من الرفض
الدال على الكفر المحض، شهد عليه عند القاضي شرف الدين المالكي بشهادات كثيرة
تدل على كفره، وأنه رافضي جلد، فمن ذلك تكفير الشيخين رضي الله عنهما، وقذفه أمي
المؤمنين عائشة وحفصة رضي الله عنهما، وزعم أن جبريل غلط فأوحى إلى محمد، وإنما
كان مرسلا إلى علي، وغير ذلك من الأقوال الباطلة القبيحة قبحه الله، وقد فعل. وكان
والده الشيخ محمد السكاكيني يعرف مذهب الرافضة الشيعة جيدا، وكانت له أسئلة على مذهب
أهل الخير، ونظم في ذلك قصيدة أجابه فيها شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله، وذكر غير واحد من أصحاب الشيخ أن السكاكيني ما مات حتى رجع عن
مذهبه، وصار إلى قول أهل السنة فالله أعلم. وأخبرت أن ولده حسنا هذا القبيح كان قد
أراد قتل أبيه لما أظهر السنة. ("البداية
والنهاية"/14/ص 244/حادثة سنة 744 هـ).
وقال فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: أمانة جبريل عليه السلام، حيث
ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله عزوجل، فيكون فيه رد على الرافضة الكفرة الذين يقولون:
بأن جبريل أمر أن يوحي إلى علي فأوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ويقولون:
خان الأمين فصدها عن حيدرة، وحيدرة لقب لعلي بن أبي طالب; لأنه كان يقول في غزوة
خيبر: أنا الذي سمتني أمي حيدرة. وفي هذا تناقض منهم، لأن وصفه بالأمانة يقتضي عدم
الخيانة. ("القول المفيد على كتاب التوحيد"/1/ص
321).
فمن طعن في أمانة جبريل عليه السلام فقد كفر، قال الله تعالى: ﴿مَنْ
كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله
عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة/98].
العشرون: استحلالهم الكذب
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وأما الرافضة، فأصل بدعتهم عن
زندقة، وإلحاد، وتعمد الكذب كثير فيهم، وهم يقرون بذلك حيث يقولون: ديننا التقية،
وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه، وهذا هو الكذب والنفاق، ويدعون مع هذا
أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة، ويصفون السابقين الأولين بالردة،
والنفاق، فهم في ذلك، كما قيل: رمتني بدائها، وانسلت، إذ ليس في المظهرين
للإسلام أقرب إلى النفاق والردة منهم، ولا يوجد المرتدون، والمنافقون في طائفة
أكثر مما يوجد فيهم، واعتبر ذلك بالغالية من النصيرية، وغيرهم، وبالملاحدة
الإسماعيلية، وأمثالهم. ("منهاج السنة
النبوية"/1/ص 68-69).
وقال القاضي عياض رحمه الله: وكذلك من دان بالوحدانية وصحة
النبوة ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به
ادعى في ذلك المصلحة بزعمه، أو لم يذعها فهو كافر بإجماع، كالمتفلسفين وبعض
الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة وأصحاب الإباحة. ("الشفا بتعريف حقوق المصطفى"/2/ص283-284).
وتحريم الكذب معلوم بالأدلة والإجماع، فمن أباحه فقد كفر.
وقال الإمام ابن باز رحمه الله: وكل من استباح ما حرم الله مما هو معلوم من الدين
بالضرورة، كالزنا والخمر والربا والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين.
("نواقض الإسلام للإمام ابن باز"/"مجموع فتاوى و مقالات"/1/ص 130).
الحادي والعشرون: تسليم حق
التشريع إلى أئمتهم
قال شيخ الإسلام رحمه الله: والرافضة تزعم أن الدين مسلَّم
إلى الأئمة، فالحلال ما حللوه والحرام ما حرموه، والدين ما شرعوه. وأما من دخل في
غلوة الشيعة كالإسماعيلية الذين يقولون بإلهية الحاكم ونحوه من أئمتهم، ويقولون:
إن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله، وغير ذلك من المقالات التي هي من
مقالات الغالية من الرافضة، فهؤلاء شر من أكثر الكفار من اليهود والنصارى
والمشركين، وهم ينتسبون إلى الشيعة يتظاهرون بمذاهبهم.
("منهاج السنة
النبوية"/1/ص 482).
ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا
أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة/31]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ
شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله وَلَوْلَا
كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ [الشورى/21].
وهذا شرك في الطاعة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: فالغالية من
النصارى والرافضة وضلال الصوفية والفقراء والعامة، يشركون بدعاء غير الله تارة،
وبنوع من عبادته أخرى، وبهما جميعا تارة، ومن أشرك هذا الشرك أشرك في الطاعة. وكثير
من المتفقهة وأجناد الملوك، وأتباع القضاة، والعامة المتبعة لهؤلاء، يشركون شرك
الطاعة. ("مجموع الفتاوى"/1/ص97-98).
الثاني والعشرون: منهم من
اعتقد أن لله جسما كجسم الإنسان، ومنهم من يصفه بالنقص
قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله: واختلفت الروافض أصحاب
الإمامة في التجسيم، وهم ست فرق. فالفرقة الأولى: الهشامية أصحاب هشام بن
الحكم الرافضي، يزعمون أن معبودهم جسم، وله نهاية وحد طويل عريض عميق، طوله مثل
عرضه، وعرضه مثل عمقه، لا يوفي بعضه على بعض، ولم يعينوا طولاً غير الطويل. وإنما
قالوا: طوله مثل عرضه على المجاز دون التحقيق، وزعموا أنه نور ساطع له قدر من
الأقدار في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع
جوانبها ذو لون وطعم ورائحة، ...إلخ. ("مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"/ص31-32).
وبعد أن نقل مثل هذا الكلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ونقل الناس عن الرافضة هذه المقالات
وما هو أقبح منها، فنقلوا ما ذكره الأشعري وغيره في كتب "المقالات" عن بيان بن
سمعان التميمي الذي تنتسب إليه البيانية من غالية الشيعة أنه كان يقول: إن الله
على صورة الإنسان، وإنه يهلك كله إلا وجهه وادعى بيان أنه يدعو الزهرة فتجيبه،
وأنه يفعل ذلك بالاسم الأعظم، فقتله خالد بن عبدالله القسري. ("منهاج السنة
النبوية"/2/ص 303).
وقال رحمه الله : ونقلوا عن المغيرية أصحاب المغيرة بن سعيد
أنهم يزعموه أنه كان يقول إنه نبي، وأنه يعلم اسم الله الأكبر، وأن معبودهم رجل من
نور على رأسه تاج، وله من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل، وله جوف، وقلب تنبع منه
الحكمة، وأن حروف أبي جاد على عدد أعضائه. قالوا: والألف موضع قدمه لاعوجاجها.
وذكر الهاء فقال: لو رأيتم موضعها منه لرأيتم أمرا عظيما، يعرض لهم بالعورة، وبأنه
قد رآه. لعنه الله وأخزاه. ("منهاج السنة
النبوية"/2/ص 303-304).
بعد أن ذكر كذب الرافضة في أن أبا حنيفة
رحمه الله لا يكفر الرافضة، قال العلامة محمود شكري الألوسي رحمه الله: ما نسبه
إلى الإمام أبي حنفية -رحمه الله تعالى- كذب لا أصل له، بل الثابت عنه وعن سائر
أئمة أهل السنة عدم تكفير أهل القبلة ما لم يثبت عنهم إنكار ما علم ضرورة أنه من
الدين، وإلا فيحكم عليهم بالكفر، كغلاة الشيعة والمجسمة القائلين: إن الله جسم
كالأجسام، فإنهم كفار على ما صرح به الإمام الرافعي وهو الأصح. ("صب العذاب على من سب الأصحاب"/ص 229).
الثالث
والعشرون: رميهم أم المؤمنين رضي الله عنها بالعظائم
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهؤلاء
الرافضة يرمون أزواج الأنبياء عائشة وامرأة نوح بالفاحشة، فيؤذون نبينا صلى الله
عليه وسلم وغيره من الأنبياء من الأذى بما هو من جنس أذى المنافقين المكذبين للرسل.
("منهاج السنة النبوية"/4/ص
190).
قال الإمام القرطبي رحمه الله: قوله
تعالى: ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا﴾ يعني في عائشة، لأن مثله لا يكون
إلا نظير القول في المقول عنه بعينه، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبي صلى
الله عليه وسلم، لما في ذلك من أذائه رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله،
وذلك كفر من فاعله. –إلى قوله:- أهل الإفك رموا
عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله تعالى فكل من سبها بما برأها الله منه مكذب
لله، ومن كذب الله فهو كافر. ("الجامع لأحكام القرآن"/12/ص
205).
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا
وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ
أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ
الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾.
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: هذا
وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات -خُرِّج مخرج الغالب -المؤمنات.
فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول،
وهي عائشة بنت الصديق، رضي الله عنهما. وقد أجمع العلماء، رحمهم الله، قاطبة على
أن مَنْ سَبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه
كافر؛ لأنه معاند للقرآن. وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، والله أعلم.
("تفسير القرآن العظيم"/6
/ص31-32).
وقال بعض علماء الهند: ولو قذف عائشة -
رضي الله تعالى عنها - بالزنا كفر بالله، ولو قذف سائر نسوة النبي - صلى الله عليه
وسلم - لا يكفر ويستحق اللعنة اهـ. ("الفتاوى الهندية"/2/ص 264).
الرابع
والعشرون: ادعاء علم الغيب
وقد نقل شيخنا الفاضل أبو عمرو الحجوري
حفظه الله في كتابه "جواب الصديق" بعض كلام الرافضة في ذلك.
قال فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله: مثل ما جاء في كتاب "الكافي" للكليني : باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما سيكون، وأنهم يعلمون متى
يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، وكذلك يقول: باب أنه ليس شيء من الحق إلا
ما كان من عند الأئمة، وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل. ("شرح سنن أبي
داود"/ عبد المحسن العباد/2/ص 378).
ادعاء علم الغيب كفر. قال الله تعالى:
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله
وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل/65]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ
لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ الله وَلَوْ كُنْتُ
أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ
أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف/188].
قال الإمام ابن
العربي رحمه الله: فأما من ادعى علم الكسب في مستقبل العمر فهو كافر ، أو أخبر عن
الكوائن الجملية أو المفصلة فيما يكون قبل أن يكون ، فلا ريبة في كفره أيضا .
("أحكام القرآن"/ 3 / ص 431).
وقال لابن نجيم
رحمه الله: ويكفر بادعاء علم الغيب. ("الأشباه
والنظائر"/لابن نجيم/ص 191).
الخامس والعشرون: اعتقادهم
رجوع بعض الأرواح إلى الدنيا بعد الموت
قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله: والصنف الرابع عشر من أصناف
الغالية: وهم السبائية أصحاب عبد الله بن سبأ، يزعمون أن علياً لم يمت، وأنه يرجع
إلى الدنيا قبل يوم القيامة، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وذكروا عنه أنه
قال لعلي عليه السلام: أنت أنت، والسبائية يقولون بالرجعة، وأن الأموات يرجعون إلى
الدنيا، وكان السيد الحميري يقول برجعة الأموات. ("مقالات الإسلاميين"/ص 15).
وقال الحميدي
عن سفيان: سمعت رجلا سأل جابر الجعفي عن قوله: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي﴾
قال: لم يجيء تأويلها بعد. قال سفيان: كذب. قلت: ما أراد بهذا؟ قال: الرافضة تقول
أن عليا في السماء لا يخرج من ولده حتى ينادي من السماء: (اخرجوا مع فلان) يقول
جابر: هذا تأويل هذا. ("تهذيب التهذيب"/2/ص 49).
وهذا كفر لردهم للقرآن، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا
جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا
فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ
بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99، 100].
وقال القاضي عياض رحمه الله: وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم
العالم، أو بقائه، أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية، أو قال بتناسخ
الأرواح، وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص، وتعذيبها أو تنعمها فيها بحسب زكائها
وخبثها. ("الشفا بتعريف
حقوق المصطفى"/2 /ص283).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: وهؤلاء يسمون
القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخية وهؤلاء لا خلاف في كفرهم. ("الصارم المسلول"/ص586).
وفي "الفتاوى الهندية" (2/ص 264): ويجب إكفار
الروافض في قولهم برجعة الأموات إلى الدنيا، وبتناسخ الأرواح، وبانتقال روح الإله
إلى الأئمة، وبقولهم في خروج إمام باطن، وبتعطيلهم الأمر والنهي إلى أن يخرج
الإمام الباطن، وبقولهم إن جبريل - عليه السلام - غلط في الوحي إلى محمد - صلى
الله عليه وسلم - دون علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وهؤلاء القوم خارجون عن
ملة الإسلام وأحكامهم أحكام المرتدين. كذا في الظهيرية اهـ.
السادس
والعشرون: عقيدة البداء
قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله: ومن
الروافض من يقول إن الله تبدو له البدوات، وأنه يريد أن يفعل ثم لا يفعل لما يحدث
له من البداء. وقال بعض الروافض: ما علمه الله سبحانه أنه يكون واطلع عليه أحدا من
خلقه فلا يجوز أن يبدو له فيه، وما علمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه فجائز أن يبدو
له فيه. وقال بعضهم: جائز عليه البدء فيما علم أنه يكون وأخبر أنه يكون حتى لا
يكون ما أخبر أنه يكون. ("مقالات
الإسلاميين"/ص 221).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: فكثير من
شيوخ الرافضة من يصف الله تعالى بالنقائص كما تقدم حكاية بعض ذلك فزرارة بن أعين
وأمثاله يقولون: يجوز البداء عليه وأنه يحكم بالشيء، ثم يتبين له ما لم يكن علمه
فينتقض حكمه لما ظهره له من خطئه، فإذا قال مثل هؤلاء بأن الأنبياء والأئمة لا
يجوز أن يخفى عليهم عاقبة فعلهم، فقد نزهوا البشر عن الخطأ مع تجويزهم الخطأ على
الله. وكذلك هشام بن الحكم وزارة بن أعين وأمثالهما ممن يقول: إنه يعلم ما لم يكن
عالما به. ومعلوم أن هذا من أعظم النقائص في حق الرب. ("منهاج السنة النبوية"/2 /ص186).
وفي "الفتاوى البزازية" للشيخ محمد بن شهاب المعروف بابن البزاز المتوفى
سنة (827هـ) قال: يجب إكفار الكيسانية في إجازتهم البداء على الله تعالى، وإكفار
الروافض في قولهم برجعة الأموات.. إلخ. ("الفتاوى البزازية" المطبوعة على هامش "الفتاوى الهندية"/6/ص318).
(انتهى النقل
من "أصول مذهب الشعية الإمامية"/3 /ص1207).
تنبيه:
قد جرّبنا وجرّب غيرنا أن الرافضة عند
الضعف عن إظهار مذهبهم الباطل تستروا بالصلاح، وإذا ذُكر عندهم بعض مساوئهم أنكروا
وجحدوا، ولكن الجحد والإنكار منهم لا ينفع لوضوح أمرهم، ولظهور شهادة التاريخ على
سود سيرتهم، ولمعرفة الناس أن الرافضة أكذب الطوائف. وقد مرّ بنا من كلام شيخ
الإسلام رحمه الله أنهم استحلوا الكذب. وهم أهل الغدر.
قال عبد القاهر البغدادي رحمه الله: روافض
الكوفة موصوفون بالغدر والبخل. وقد سار المثل بهم فيهما حتى قيل: (أبخل من كوفي،
وأغدر من كوفي). والمشهور من غدرهم ثلاثة أشياء أحدها أنهم بعد قتل على رضي الله
عنه بايعوا ابنه الحسن فلما توجه لقتال معاوية غدروا به في ساباط المدائن فطعنه
سنان الجعفي في جنبه فصرعه عن فرسه، وكان ذلك أحد أسباب مصالحته معاوية. والثاني:
أنهم كاتبوا الحسين بن علي رضي الله عنه، ودعوه إلى الكوفة لينصروه على يزيد بن
معاوية، فاغترّ بهم وخرج إليهم، فلما بلغ كربلاء غدروا به، وصاروا مع عبيد الله بن
زياد يدا واحدة عليه حتى قتل الحسين وأكثر عشيرته بكربلاء. والثالث: غدرهم يزيد بن
على بن الحسين بن على بن أبي طالب بعد أن خرجوا معه على يوسف بن عمر، ثم نكثوا
بيعته وأسلموه عند اشتداد القتال حتى قتل، وكان من أمره ما كان. ("الفرق بين الفرق"/1 /ص 26).
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله عنهم:
وأما تسرع هذه الطائفة إلى الكذب وإقدامهم عليه والتهاون بأمره، فقد بلغ من سلفهم
وخلفهم إلى حد الكذب على الله وعلى رسوله وعلى كتابه، وعلى صالحي أمته، ووقع منهم
في ذلك ما يقشعر له الجلد. ("أدب الطلب"/ص61/دار الكتب العلمية).
وقال الإمام الوادعي رحمه الله: والمقصود
هنا أن العلماء كلهم متفقون على أن الكذب في الرافضة أظهر منه في سائر الطوائف من
أهل القبلة. ("الإلحاد
الخميني في أرض الحرمين"/ص 11).
الباب الرابع:
أقوال العلماء في كفر الرافضة
إن
أقوال العلماء في كفر الرافضة كثيرة جدا، وهي مدونة في الكتب، وإنما أذكر بعضها:
إن الذين يزعمون أن عليا رضي الله عنه إله قد كفرهم الصحابة رضي الله عنهم.
وقد عكرمة إنهم زنادقة. عن عكرمة رحمه الله قال: أتي علي رضي الله عنه بزنادقة
فأحرقهم. فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «لا تعذبوا بعذاب الله»، ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه». (أخرجه البخاري (6988)).
قال فضيل بن مرزوق: سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: إن قتلك
قربة إلى الله، فقال: إنك تمزح، فقال: والله ما هو مني بمزاح. قال مصعب الزبيري:
كان فضيل بن مرزوق يقول: سمعت الحسن ابن الحسن يقول لرجل من الرافضة: أحبونا، فإن
عصينا الله فأبغضونا، فلو كان الله نافعأ أحدا بقرابته من رسول الله صلى الله عليه
وسلم بغير طاعة لنفع أباه وأمه. وروى فضيل بن مرزوق، قال: سمعت الحسن يقول: دخل
علي المغيرة بن سعيد - يعني الذي أحرق في الزندقة - فذكر من قرابتي وشبهي برسول
الله صلى الله عليه وسلم - وكنت أشبه وأنا شاب برسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم
لعن أبا بكر وعمر، فقلت: يا عدو الله، أعندي! ثم خنقته - والله - حتى دلع لسانه. ("سير أعلام النبلاء"/4
/ ص 486).
وقال أحمد بن يونس رحمه الله: لو أن يهودياً ذبح شاة، وذبح رافضي لأكلت
ذبيحة اليهودي، ولم آكل ذبيحة الرافضي؛ لأنه مرتد عن الإسلام. ("اعتقاد أهل السنة"/للإمام أبي بكر بن قاسم الرحبي/1/ص 27).
وقال
الحسن بن عمرو: قال لي طلحة بن مصرف: لولا أني على وضوء لأخبرتك بما تقول الرافضة.
("سير أعلام النبلاء"/5
/ ص 192).
وقال طلحة بن مصرف رحمه الله: الرافضة لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم
لأنهم أهل ردة. ("الشرح والإبانة"/
لابن بطة العكبري/ص 160).
وقال الأوزاعي رحمه الله: من شتم أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقد ارتد عن
دينه وأباح دمه. ("الشرح والإبانة"/ لابن بطة العكبري /رقم (203)).
وقال ابن زنجويه: سمعت عبد الرزاق يقول: الرافضي عندي كافر. ("سير أعلام النبلاء"/14/
ص 178).
قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ
فَضْلًا مِنَ الله وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ
السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ
أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ
الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ الآية. [الفتح/29].
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك -رحمه
الله، في رواية عنه-بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم،
ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية. ووافقه طائفة من العلماء على ذلك. ("تفسير القرآن العظيم"/7/ص 362).
وقال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: هما ملتان : الجهمية ، والرافضية . ("خلق أفعال العباد"/ ص 16).
وقال محمد بن بشار رحمه الله: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: أحضر جنازة من سب
أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لو كان من عصبتي ما ورثته. ("الشرح والإبانة" /لابن بطة العكبري/ ص 159).
وقال أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب الإصطخري: قال أبو عبد الله أحمد بن
محمد بن حنبل رحمه الله: ...والرافضة وهم الذين يتبرؤون من أصحاب محمد رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - ويسبونهم وينتقصونهم ويكفرون الأئمة الأربعة علي وعمار
والمقداد وسلمان وليست الرافضة من الإسلام في شيء. ("طبقات
الحنابلة"/1/ص 31).
وقال الخلال رحمه الله: أخبرنا أبو بكر المروذي قال سألت أبا عبدالله عن من
يشتم أبا بكر وعمر وعائشة قال ما رآه على الإسلام قال وسمعت أبا عبد الله يقول قال
مالك الذي يشتم أصحاب النبي ليس لهم سهم أو قال نصيب في الإسلام. ("السنة
للخلال"/رقم 779).
وقال بشر بن الحارث رحمه الله: من شتم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فهو كافر وإن صام وصلى وزعم أنه من المسلمين. ("الشرح
والإبانة"/ لابن بطة العكبري /رقم (202)).
وقال الإمام البخاري رحمه الله: ما أبالي صليت خلف الجهمي الرافضي أم صليت
خلف اليهود والنصارى ، ولا يسلم عليهم ، ولا يعادون ، ولا يناكحون ، ولا يشهدون ،
ولا تؤكل ذبائحهم. ("خلق أفعال العباد"/ ص 16).
وقال أبو زرعة الرازي رحمه الله: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه
وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة،
والجرح بهم أولى وهم زنادقة. ("الكفاية في علم الرواية"/ للخطيب البغدادي /ص
49).
وقال أبو بكر بن هاني رحمه الله: لا تؤكل ذبيحة الروافض والقدرية كما لا
تؤكل ذبيحة المرتد، مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي لأن هؤلاء يقامون مقام المرتد، وأهل
الذمة يقرون على دينهم وتؤخذ منهم الجزية. ("الصارم
المسلول"/ 6/ص 61).
وقال ابن قتيبة الدينوري رحمه الله (ت 276هـ): بأن غلو الرافضة في حب علي
المتمثل في تقديمه على من قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته عليه،
وادعائهم له شركة النبي صلى الله عليه وسلم في نبوته، وعلم الغيب للأئمة من ولده
وتلك الأقاويل والأمور السرية قد جمعت إلى الكذب والكفر إفراط الجهل والغباوة. ("الاختلاف في اللفظ"/ص47/"أصول مذهب الشيعة الإمامية"/3/ص1192).
وقال عبد القاهر البغدادي رحمه الله: وأما الروافض فإن السبابية منهم أظهروا
بدعتهم في زمان علي رضي الله عنه فقال بعضهم لعلي: (أنت الإله) فاحرق علي قوما
منهم ونفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن. وهذه الفرقة ليست من فرق أمة الإسلام
لتسميتهم عليا إلها. ("الفرق بين الفرق"/1 / ص 15).
وقال عبد القاهر البغدادي رحمه الله: فهذا
قول الجارودية، وتكفيرهم واجب لتكفيرهم أصحاب رسول الله عليه السلام. ("الفرق بين الفرق"/1 /ص 23).
وقال رحمه الله: وأهل السنة يكفرون سليمان بن جرير من أجل أنه كفر
عثمان رضي الله عنه. ("الفرق بين الفرق"/1 /ص 23-24).
وقال ابن عبد الدائم رحمه الله: لا خفاء بكفر هذه الطائفة لاعتقادها أن
علياً كرم الله وجهه إلهٌ، وأنه حل فيه جزء إلهيٌ، فإن هذا المذهب قريب من مذهب
النصارى تعالى الله عن أقوالهم علواً كبيراً. ("الوافي
في الوفيات" /ص 2393).
وقال ابن حزم رحمه الله: فإن الروافض ليسوا من المسلمين، إنما هي فرق حدث
أولها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، وكان مبدؤها إجابة من
خذله الله تعالى لدعوة من كاد الإسلام، وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في
الكذب والكفر، وهي طوائف أشدهم غلوا يقولون بإلهية علي بن أبي طالب والآلهية جماعة
معه. ("الفصل في الملل والأهواء والنحل"/2/ص
65).
وقال الإمام الآجرّي رحمه الله: ... لأن الرافضة لا يشهدون جمعة ولا جماعة،
ويطعنون على السلف، ولا نكاحهم نكاح المسلمين، ولا طلاقهم طلاق المسلمين، وهم
أصناف كثيرة، منهم من يقول: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إله، ومنهم من يقول:
بل علي كان أحق بالنبوة من محمد، وأن جبريل غلط بالوحي. ومنهم من يقول: هو نبي بعد
النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من يشتم أبا بكر وعمر، ويكفرون جميع الصحابة،
ويقولون: هم في النار إلا ستة. ومنهم من يرى السيف على المسلمين فإن لم يقدروا
خنقوهم حتى يقتلوهم. وقد أجل الله الكريم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
مذاهبهم القذرة التي لا تشبه المسلمين. ("الشريعة"/ للآجري/ ص 2512).
وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله: فإن قيل فلو صرح مصرح بكفر أبي بكر وعمر
رضي الله عنهما ينبغي أن ينزل منزلة من لو كفر شخصا آخر من آحاد المسلمين أو
القضاة والأئمة من بعدهم قلنا: هكذا نقول فلا يفارق تكفيرهم تكفير غيرهم من آحاد
الأمة والقضاة، بل أفراد المسلمين المعروفين بالإسلام إلا في شئين، أحدهما: في
مخالفة الإجماع وخرقه فأن مكفر غيرهم ربما لا يكون خارقا لإجماع معتد به. الثاني:
أنه ورد في حقهم من الوعد بالجنة والثناء عليهم والحكم بصحة دينهم وثبات يقينهم
وتقدمهم على سائر الخلق أخبار كثيرة. فقائل ذلك إن بلغته الأخبار واعتقد مع ذلك
كفرهم فهو كافر لا بتكفيره إياهم، ولكن بتكذيبه رسول الله صلى الله عليه و سلم فمن
كذبه بكلمة من أقاويله فهو كافر بالإجماع ومهما قطع النظر عن التكذيب في هذه
الأخبار وعن خرق الإجماع نزل تكفيرهم منزله سائر القضاة والأئمة وآحاد المسلمين. ("فضائح الباطنية"/ص 149-150).
وأبو المظفر الإسفراييني رحمه الله (ت 417هـ) بعد أن نقل جملة من عقائدهم
كتكفير الصحابة، وقولهم: إن القرآن قد غيّر عما كان، ووقع فيها الزيادة والنقصان،
وانتظارهم لمهدي يخرج إليهم ويعلمهم الشريعة... قال رحمه الله بأن جميع الفرق
الإمامية التي ذكرناها متفقون على هذا، ثم حكم عليهم بقوله: وليسوا في الحال على
شيء من الدين، ولا مزيد على هذا النوع من الكفر إذ لا بقاء فيه على شيء من الدين.
("التبصير في الدين"/ص24-25/"أصول
مذهب الشيعة الإمامية"/3 /ص1194).
وقال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين رحمه الله (ت 458هـ): وأما الرافضة
فالحكم فيهم.. إنْ كفر الصحابة، أو فسهم بمعنى يستوجب به النار فهو كافر. ("المعتمد"/ص267/"أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية"/3/ص1193).
وقال القرطبي رحمه الله: ... خلاف الروافض، ولا يُعتَدّ بخلافهم؛ إذ قد حكم
بكفرهم كثير من العلماء. ("المفهم لما أشكل من تلخيص
كتاب مسلم"/3/ص 300).
وقال الإمام الآجري رحمه الله في ذكر منهج علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ولم
يأخذه في الله لومة لائم ، خلاف ما قالته الرافضة الأنجاس. ("الشريعة/ للآجري/4/ص 354).
وقال رحمه الله: فمن سمع هذا من أهل البيت اتبع سلفه الصالح وشنئ مذاهب
الرافضة الذين لا عقل لهم ولا دين. ("الشريعة"/ للآجري/5 / ص 70).
وقال القاضي عياض رحمه الله: وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم إن
الأئمة أفضل من الأنبياء. ("الشفا بتعريف حقوق المصطفى"/2 /ص290).
وقال رحمه الله: وكذلك من ادعى نبوة أحد مع نبينا صلى الله عليه وسلم أو
بعده كالعيسوية من اليهود القائلين بتخصيص رسالته إلى العرب وكالخرمية القائلين
بتواتر الرسل، وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة على في الرسالة للنبي صلى الله
عليه وسلم وبعده، فكذلك كل إمام عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوة والحجة،
وكالبزيغية والبيانية منهم القائلين بنبوة بزيغ وبيان وأشباه هؤلاء، أو من ادعى
النبوة لنفسه، أو جوز اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة
المتصوفة.
وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة، أو أنه يصعد إلى
السماء، ويدخل الجنة، ويأكل من ثمارها، ويعانق الحور العين. فهؤلاء كلهم كفار
مكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أنه خاتم
النبيين لا نبي بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة للناس
وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن مفهومه المراد به دون تأويل، ولا
تخصيص، فلا شك في كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعا إجماعا وسمعا. ("الشفا بتعريف حقوق المصطفى"/2
/ص285-286).
وقال رحمه الله: وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولا يتوصل به إلى تضليل
الأمة، وتكفير جميع الصحابة كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي
صلى الله عليه وسلم إذ لم تقدم عليا، وكفرت عليا إذ لم يتقدم ويطلب حقه في التقديم
فهؤلاء قد كفروا من وجوه.
لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها إذ قع انقطع نقلها ونقل القرآن إذ ناقلوه كفرة
على زعمهم وإلى هذا والله أعلم أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة ثم
كفروا من وجه آخر بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى قولهم وزعمهم أنه عهد
إلى علي رضي الله عنه وهو يعلم أنه يكفر بعده على قولهم لعنة الله عليهم وصلى الله
على رسوله وآله. ("الشفا"/2 /ص286-287).
وقال الإمام الحافظ المحدث أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني رحمه الله
(ت 562هـ): والزيدية والإمامية ضدان. فأما الزيدية خيرهم لأنهم يجوزون إمامة
المفضول على الفاضل ويصححون إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويقولون بأن عليا
رضي الله عنه أفضل منهما، والإمامية تقول باستحقاق الإمامة لعلي رضي الله عنه ولا
يرون للمفضول شيئا ولا يصححون إمامة الشيخين رضي الله عنهما، واجتمعت الإمامية على
تضليل الصحابة حيث جعلوا الإمامة لغير علي، واجتمعت الأمة على تكفير الإمامية لأنهم
يعتقدون تضليل الصحابة وينكرون إجماعهم وينسبونهم إلى مالا يليق بهم. وأكثر
العلماء على أن الزيدية مبتدعة. ("الأنساب" للسمعاني /3/ص188).
وقال الإمام أبو حامد محمد بن خليل المقدسي الشافعي رحمه الله (ت 888هـ):
لا يخفى على كل ذي بصيرة وفهم من المسلمين أن أكثر ما قدمناه في الباب قبله من
عقائد هذه الطائفة الرافضة على اختلاف أصنافها كفر صريح، وعناد، مع جهل قبيح
لا يتوقف الواقف عليه من تكفيرهم والحكم عليهم بالمروق من دين الإسلام. ("رسالة في الرد على الرافضة"/ص200/"أصول مذهب الشعية الإمامية"/3
/ص1201).
وقال أبو المحاسن يوسف الجمال الواسطي رحمه الله: إنهم يكفرون بتكفيرهم
لصحابة سول الله صلى الله عليه وسلم الثابت تعديلهم وتزكيتهم في القرآن بقوله
تعالى: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ
عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة 143] وبشهادة الله تعالى لهم أنهم لا يكفرون بقوله تعالى: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ
وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام
89].
ويكفرون باستغنائهم عن حج بيت الله الحرام بزيارة قبر الحسين لزعمهم أنها
تغفر الذنوب، وتسميتهم لها بالحج الأكبر، ومن ذلك أنهم يكفرون بترك جهاد الكفار والغزو
لهم الذي يزعمون أنه لا يجوز إلا مع الإمام المعصوم وهو غائب. ["المناظرة بين أهل السنة والرافضة"/ الورقة 66 (مخطوط).].
وأنهم يكفرون بإعابتهم السنن المتواتر فعلها عن النبي صلى الله عليه وسلم
من الجماعة والضحى والوتر والرواتب قبل المكتوبات من الصلوات الخمس وبعدها، وغير
ذلك من السنن المؤكدات. ["المناظرة بين أهل السنة
والرافضة"/ الورقة 67 (مخطوط).].
(انتهى النقل من "أصول مذهب الشيعة الإمامية" /3/ص1201-1202).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: فإن الذي ابتدع الرفض كان يهوديا أظهر الإسلام
نفاقا ودس إلى الجهال دسائس يقدح بها في أصل الإيمان. ولهذا كان الرفض أعظم أبواب
النفاق والزندقة . فإنه يكون الرجل واقفا ثم يصير مفضلا ثم يصير سبابا ثم يصير
غاليا ثم يصير جاحدا معطلا . ولهذا انضمت إلى الرافضة "أئمة الزنادقة"
من الإسماعيلية والنصيرية وأنواعهم من القرامطة والباطنية والدرزية وأمثالهم من
طوائف الزندقة والنفاق . فإن القدح في خير القرون الذين صحبوا الرسول قدح في
الرسول عليه السلام كما قال مالك وغيره من أئمة العلم : هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل : رجل سوء كان له أصحاب
سوء ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين . وأيضا فهؤلاء الذين نقلوا القرآن
والإسلام وشرائع النبي صلى الله عليه وسلم وهم الذين نقلوا فضائل علي وغيره فالقدح
فيهم يوجب أن لا يوثق بما نقلوه من الدين وحينئذ فلا تثبت فضيلة. ("مجموع الفتاوى"/4/ص 428-429).
وقال رحمه الله لما تكلم في الشيعة: والغالية يقتلون باتفاق المسلمين وهم
الذين يعتقدون الإلهية والنبوة في علي وغيره مثل النصيرية والإسماعيلية الذين يقال
لهم : بيت صاد وبيت سين ومن دخل فيهم من المعطلة الذين ينكرون وجود الصانع أو
ينكرون القيامة أو ينكرون ظواهر الشريعة : مثل الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج
البيت الحرام ويتأولون ذلك على معرفة أسرارهم، وكتمان أسرارهم وزيارة شيوخهم.
ويرون أن الخمر حلال لهم ونكاح ذوات المحارم حلال لهم. فإن جميع هؤلاء الكفار أكفر
من اليهود والنصارى . ("مجموع الفتاوى"/28/ص 474).
وقال رحمه الله: وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق ؛ والروافض معروفون
بالكذب . والخوارج مرقوا من الإسلام وهؤلاء نابذوا الإسلام . ("مجموع الفتاوى"/3/ص 357).
وقال رحمه الله: وقد قال كثير من السلف : إن الرافضة لا حق لهم من الفيء ؛
لأن الله إنما جعل الفيء للمهاجرين والأنصار ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين
آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ فمن لم يكن قلبه سليما لهم ولسانه مستغفرا لهم لم
يكن من هؤلاء . ("مجموع الفتاوى"/28 /ص 405).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: ومن ذلك تحريق علي - رضي
الله عنه - الزنادقة الرافضة وهو يعلم سنة رسول الله في قتل الكافر، ولكن لما رأى
أمرا عظيما جعل عقوبته من أعظم العقوبات؛ ليزجر الناس عن مثله. ("الطرق الحكمية"/ص20).
وقال رحمه الله: وأما غالية الجهمية فكغلاة الرافضة ليس للطائفتين في
الإسلام نصيب. ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة وقالوا هم
مباينون للملة. ("مدارج السالكين"/1/ص
362-363).
وبعد أن ذكر
أحاديث صحيحة عن علي رضي الله عنه قال الإمام ابن كثير رحمه الله: وهذا الحديث
الثابت في الصحيحين وغيرهما عن علي رضي الله عنه يرد على فرقة الرافضة في زعمهم
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى إليه بالخلافة، ولو كان الأمر كما زعموا
لما رد ذلك أحد من الصحابة فإنهم كانوا أطوع لله ولرسوله في حياته صلى الله عليه
وسلم بعد وفاته من أن يقتاتوا عليه فيقدموا غير من قدمه ويؤخروا من قدمه بنصه،
حاشا وكلا ولما، ومن ظنّ بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلى
الفجور والتواطؤ على معاندة الرسول صلى الله عليه وسلم ومضادتهم في حكمه ونصه، ومن
وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام وكفر بإجماع الأئمة الأعلام،
وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام. ("البداية والنهاية"/5/ص 272).
وقال ابن نجيم رحمه الله: سب الشيخين ولعنهما كفر. ("الأشباه والنظائر"/لابن
نجيم/ص 190).
وقال أبن حجر الهيتمي رحمه الله: علم من حديث الإفك المشار إليه أن من نسب
عائشة إلى الزنا كان كافرا، وهو ما صرح به أئمتنا وغيرهم لأن في ذلك تكذيب
النصوص القرآنية، ومكذبها كافر بإجماع المسلمين. وبه يعلم القطع بكفر كثيرين من
غلاة الروافض لأنهم ينسبونها إلى ذلك قاتلهم الله أنى يؤفكون. ("الصواعق المحرقة"/1
/ص193-194).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: ... بل أخرجهم بعض أهل
العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك
وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد. (انظر "القول
المفيد على كتاب التوحيد"/1
/ ص 416).
وقال رحمه الله: فإذا عرفت أن آيات القرآن تكاثرت في فضلهم والأحاديث
المتواترة بمجموعها ناصّة على كمالهم، فمن اعتقد فسقهم أو فسق مجموعهم وارتدادهم وارتداد
وعظمهم عن الدين، أو اعتقد سبهم وإباحته أو سبهم مع اعتقاد حقية سبهم أو حلّيته فقد
كفر بالله تعالى ورسوله فيما أخبر من فضائلهم وكمالاتهم المستلزمة لبراءتهم
عما يوجب الفسق والارتداد وحقية السب وإباحته. ومن كذبهما فيما ثبت قطعاً صدوره
فقد كفر، والجهل بالمتواتر القاطع ليس بعذر، وتأويله وصرفه من غير دليل معتبر
غير مفيد، كمن أنكر فرضية الصلوات الخمس جهلاً لفرضيتها فإنه بهذا الجهل يصير
كافراً. وكذا لو أوّلها على غير المعنى الذي نعرفه فقد كفر لأن العلم الحاصل من
نصوص القرآن والأحاديث الدالة على فضلهم قطعي. ومن خصّ بعضهم بالسب فإن كان
ممن تواتر النقل في فضله وكماله كالخلفاء فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر
لتكذيبه ما ثبت قطعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكذبه كافر. وإن سبّه
من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسّق لأن سباب المسلم فسوق ، وقد حكم بعض
فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقاً والله أعلم. وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله
وكماله فالظاهر أن سابه فاسق إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله صلى الله عليه
وسلم فإن ذلك كفر. وغالب هؤلاء الرافضة الذين يسبون الصحابة لا سيما الخلفاء
يعتقدون حقية سبهم، أو إباحته بل وجوبه لأنهم يتقربون بذلك إلى الله تعالى حيث
يرون ذلك من أجلّ أمور دينهم، كما نقل عنهم. ما أضل عقول قوم يتقربون إلى الله
تعالى بما يوجب لهم خسران الدين. والله الحافظ. ("الرد على الرافضة"/للإمام محمد بن عبد الوهاب /ص 15).
وقال العلامة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله: فمواكلة
الرافضي، والانبساط معه، وتقديمه في المجالس، والسلام عليه، لا يجوز، لأنه موالاة
وموادة، والله تعالى قد قطع الموالاة، بين المسلمين والمشركين، بقوله: ﴿لا
يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ﴾ [سورة آل عمران آية:
28]،...إلخ. ("الدرر السنية"/10/ص 450).
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله عن الرافضة: وجاوز ذلك جماعة من زنادقتهم
إلى اعتقاد الألوهية في ملوكهم، بل في شيوخ بلدانهم، ولا غرو فأصل هذا المظهر
الرافضي مظهر إلحاد وزندقة، وجعله من أراد كياد الإسلام سترا له، -إلى قوله:-
ومعظم ما يقصد بهذا هو الطعن على الشريعة وإبطالها، لأن الصحابة رضي الله تعالى
عنهم هم الذين رووا للمسلمين علم الشريعة من الكتاب والسنة. فإذا تم لهذا –الزنديق باطنا الرافضي ظاهرا- القدح في الصحابة، وتكفيرهم، والحكم عليهم
بالردة، بطلت الشريعة بأسرها، لأن هؤلاء هم حملتها الراوون لها عن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم. فهذا هو العلة الغائية لهم. وجميع ما يتظهرون به من التشيع
كذب وزور. ومن لم يفهم هذا فهو حقيق بأن يتهم نفسه ويلوم تقصيره.
ولهذا تجدهم إذا تمكنوا وصارت لهم دولة يتظاهرون بهذا، ويدعون الناس إليه،
كما وقع من القرامطة، والباطنية، والإسماعيلية، ومن نحا نحوهم، فإنهم لما
تمكنوا أظهروا صريح الكفر والزندقة، وفعلوا ذلك الأفاعيل من الاستهتار بمحارم
الله وما عظمه، كنقلهم للحجر الأسود من الحرم إلى هجر، ... إلخ. ("أدب الطلب"/ص62/دار الكتب
العلمية).
وقال رحمه الله: إن أصل دعوة الروافض كياد الدين، ومخالفة شريعة المسلمين. والعجب
كل العجب من علماء الإسلام، وسلاطين الدين، كيف تركوهم على هذا المنكر البالغ في
القبح إلى غايته ونهايته، فإن هؤلاء المخذولين لما أرادوا رد هذه الشريعة المطهرة
ومخالفتها طعنوا في أعراض الحاملين لها، الذين لا طريق لنا إليها إلا من طريقهم،
واستزلوا أهل العقول الضعيفة بهذه الذريعة الملعونة، والوسيلة الشيطانية، فهم
يظهرون السب واللعن لخير الخليقة، ويضمرون العناد للشريعة، ورفع أحكامها عن
العباد. وليس في الكبائر أشنع من هذه الوسيلة إلا ما توسلوا بها إليه، فإنه أقبح
منها، لأنه عناد لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولشريعته.
فكان حاصل ما هم فيه من ذلك أربع كبائر كل واحدة منها كفر بواح:
الأولى: العناد لله عز وجل.
والثانية: العناد لرسول صلى الله عليه وسلم.
والثالثة: العناد لشريعتهم المطهرة ومحاولة إبطالها.
والرابعة: تكفير الصحابة رضي الله عنهم، الموصوفين في كتاب الله سبحانه
بأنهم أشداء على الكفار، وأن الله تعالى يغيظ بهم الكفار، وأنه قد رضي عنهم، مع
أنه قد ثبت في هذه الشريعة المطهرة أن من كفر مسلماً كفر كما في "الصحيحين" وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال
الرجل لأخيه: يا كفر، فقد باء بهما أحدهما، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه».
وبهذا يتبين أن كل رافضي خبيث يصير كافراً بتكفيره لصحابي واحد، فكيف بمن
كفر كل الصحابة، واستثنى أفراداً يسيرة تغطية لما هو فيه من الضلال على الطغام
الذين لا يعلقون الحجج؟! [الشوكاني/ "نثر الجوهر على حديث أبي
ذر"، الورقة: 15-16 (مخطوط).].
(انتهى النقل من "أصول مذهب الشعية الإمامية"/3 /ص1205-1206).
وقال الإمام سليمان بن سحمان رحمه الله: وقد تقدم قريباً من كلام أهل
السنة، في شأن هؤلاء الأرفاض، من مقالاتهم الشنيعة، وأوضاعهم الخاطئة الكاذبة
الوضيعة، ما تمجُّه الطباع، وتستكُ عن سماعه الأسماع، فمن كان ما تقدم ذكره عنهم،
هذه نحلته، وهذا دينه، فهم عند جماهير المسلمين ليسوا من أهل الإسلام. وقال رحمه
الله: ولم يخالف فيما ذكرناه إلا هؤلاء الملاحدة كالرافضة، والإمامية، وعبّاد
القبور والمشاهد، وهؤلاء لا عبرة بخلافهم فيما قالوا من المخرقة والخزعبلات التي
لا تفيد، فلا يقول بها إلا كل كفَّار عنيد. (انتهى كلامه من كتابه "الحجج الواضحة الإسلامية في رد شبهات الرافضة والإمامية"/"موسوعة فرق الشيعة"/ص
88-89).
وقال العلامة محمود شكري الألوسي رحمه الله: ما ثبت عن الروافض اليوم من
التصريح بكفر الصحابة الذين كتموا النص بزعمهم، ولم يبايعوا عليا كرم الله تعالى
وجهه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما بايعوا أبا بكر رضي الله تعالى عنه
كذلك، وكذا التصريح ببغضهم واستحلال إيذائهم، وإنكار خلافة الخلفاء الراشدين منهم والتهافت
على سبهم ولعنهم تهافت الفراش على النار دليل على كفرهم.
وقد أجمع أهل المذاهب الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
على القول بكفر المتصف بذلك. وما روي عن بعضهم من أن الساب يضرب أو ينكل نكالا
شديدا ، محمول على ما إذا لم يكن السب بما يوجب تكفيرهم -رضي الله تعالى عنهم-
وكان خاليا عن دعوى بغض وارتداد واستحلال إيذاء، وليس مراده أن حكم الساب مطلقا
ذلك ، كما لا يخفى على المتتبع. ("صب العذاب على من سب
الأصحاب"/ص321-322).
وقال رحمه الله: بل الصواب ما قدمناه من أن من سب أحدا من الصحابة وكفره
فهو كافر، سيما إذا كان من أجلتهم رضي الله تعالى عنهم. ومن صرح بخلاف ما ذكرنا
فهو مردود لا يلتفت إليه، ولا يعول عليه، والحق أحق بالقبول، والله شاهد على ما
نقول. ("صب العذاب"/ص
324).
وقال الإمام عبد العزيز الدهلوي وهو من محدثي القارة الهندية، بعد أن اطلع
على كتب الشيعة الاثنى عشرية ما نصه: ومن استكشف عقائِدَهم، وما انطووا عليه، علم
أن ليس لهم في الإسلام نصيب، وتحقق كفرهم لديه. (انتهى كلامه من كتاب "مختصر التحفة الاثنى عشرية"/"موسوعة فرق الشيعة"/ص
89).
وقال العلامة محمد صديق حسن خان القنوخي رحمه الله تعالى: وأقول ما أصدق
هذا الكلام...فإنه دل دلالةٌ واضحة صريحة، لا سُترة عليها، على أن الرافضة كفار
كفراً بواحاً... فينبغي أن يجري حكمُ الكفار عليهم، في جميع المسائل والأحكام، من
ترِك المناكحةِ بهم، والجهادِ معهم، والرد على مذهبهم، والإنكار على صنيعهم،
والاعتقاد بعدم إسلامهم، وبكونهم أخبث الطوائف في الدنيا. (انتهى كلامه من كتابه "الدين الخالص"/"موسوعة فرق الشيعة"/ص
89).
وبعد أن ذكر قول بعض العلماء في عدم كفر أهل البدع، قال العلامة ملا علي
القاري رحمه الله: وهذا في غير حق الرافضة الخارجة في زماننا، فإنهم يعتقدون كفر
أكثر الصحابة، فضلا عن سائر أهل السنة والجماعة، فهم كفرة بالإجماع بلا نزاع. ("مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"/7/ص 3027).
وقال رحمه الله: وأما من سب أحداً من الصحابة فهو فاسق ومبتدع بالإجماع،
إلا إذا اعتقد أنه مباح كما عليه بعض الشيعة وأصحابهم، أو يترتب عليه ثواب كما هو
دأب كلامهم أو اعتقد كفر الصحابة وأهل السنة فإنه كافر بالإجماع. ("مجموع مؤلفات عقائد الرافضة والرد عليها"/4 /ص213).
وفي "الفتاوى الهندية" (2/ ص264): الرافضي إذا
كان يسب الشيخين ويلعنهما والعياذ بالله، فهو كافر، وإن كان يفضل عليا كرم الله
تعالى وجهه على أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - لا يكون كافرا إلا أنه مبتدع
والمعتزلي مبتدع إلا إذا قال باستحالة الرؤية، فحينئذ هو كافر. كذا في "الخلاصة" اهـ.
وسئلت اللجنة الدائمة: ما حكم عوام الروافض الإمامية الإثني عشرية ؟ وهل
هناك فرق بين علماء أي فرقة من الفرق الخارجة عن الملة وبين أتباعها من حيث
التكفير أو التفسيق؟
ج2: من شايع من العوام إماما من أئمة الكفر والضلال، وانتصر لسادتهم
وكبرائهم بغيا وعدوا - حكم له بحكمهم كفرا وفسقا، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ
النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ … إلى أن قال: ﴿وَقَالُوا
رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ﴾
﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾
واقرأ الآية رقم 165، 166، 167 من سورة البقرة، والآية رقم 37، 38، 39 من سورة
الأعراف، والآية رقم 21، 22 من سورة إبراهيم، والآية رقم 28، 29 من سورة الفرقان،
والآيات رقم 62، 63، 64 من سورة القصص والآيات رقم 31، 32، 33 من سورة سبأ،
والآيات رقم 20 حتى 36 من سورة الصافات، والآيات 47 حتى 50 من سورة غافر، وغير ذلك
في الكتاب والسنة كثير؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل رؤساء المشركين
وأتباعهم وكذلك فعل أصحابه ولم يفرقوا بين السادة والأتباع.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ................... عضو ........... نائب رئيس اللجنة ...........
الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد
العزيز بن عبد الله بن باز
انتهى من فتاوى اللجنة الدائمة (2/ص 376-377/رقم ( 9247 )).
وسئلت: إن السائل وجماعة معه في الحدود الشمالية مجاورون للمراكز العراقية،
وهناك جماعة على مذهب الجعفرية ، ومنهم من امتنع عن أكل ذبائحهم، ومنهم من أكل،
ونقول: هل يحل لنا أن نأكل منها، علما بأنهم يدعون عليا والحسن والحسين وسائر ساداتهم
في الشدة والرخاء؟
ج: إذا كان الأمر كما ذكر السائل من أن الجماعة الذين لديه من الجعفرية
يدعون عليا والحسن والحسين وسادتهم فهم مشركون مرتدون عن الإسلام والعياذ بالله،
لا يحل الأكل من ذبائحهم؛ لأنها ميتة ولو ذكروا عليها اسم الله.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو .................. عضو .......... نائب رئيس اللجنة .............
الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد
العزيز بن عبد الله بن باز
انتهى من فتاوى اللجنة الدائمة (ج 2 / ص 372/ فتوى رقم ( 1661 )).
وقال فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: مذهب الإمام أحمد
رحمه الله تعالى أن لا شفعة لكافر على مسلم، سواء كان كافراً كفراً أصيلاً، أو
مرتداً، أو داعية إلى بدعة. ورافضة هذه الأزمان مرتدون عبدة أوثان فيدخلون في هذا
الحكم. لكن إذا ألزموا بالإسلام والتزموه وتركوا الشرك ظاهراً فالظاهر أن حكمهم
حكم المنافقين، وهو غير خاف على السائل. ("فتاوى
ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ"/8/ ص189).
وسئل
الإمام ابن باز رحمه الله عن الرافضة: هل هم من الاثنين والسبعين فرقة؟
فأجاب قائلاً: هم داخلون فيهم لكن فيهم الكافر وفيهم المسلم، فالرافضة
عُبَّاد غير الله كَفَرَة، والرافضة الذين يفضلون علياً على عثمان أو على الصديق
فهؤلاء ليسوا بكفار لكنهم مبتدعون، أما من دعا علياً أو أهل البيت وغلا فيهم، فإنه
يكون كافراً، أو قال: إن النبوة لعلي لكن خان جبرائيل هذا كافر مرتد نسأل الله
العافية. ("شرح كتاب فضل الإسلام"/لابن باز / ص 29).
وسئل رحمه الله: من خلال معرفة سماحتكم بتاريخ الرافضة، ما هو موقفكم من
مبدأ التقريب بين أهل السنة وبينهم ؟
فأجاب رحمه الله: التقريب بين الرافضة وبين أهل السنة غير ممكن، لأن
العقيدة مختلفة، فعقيدة أهل السنة والجماعة توحيد الله وإخلاص العبادة لله سبحانه
وتعالى، وأنه لا يدعى معه أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ، وأن الله سبحانه وتعالى
هو الذي يعلم الغيب، ومن عقيدة أهل السنة محبة الصحابة رضي الله عنهم جميعا
والترضي عنهم والإيمان بأنهم أفضل خلق الله بعد الأنبياء وأن أفضلهم أبو بكر
الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عن الجميع. والرافضة خلاف ذلك فلا
يمكن الجمع بينهما، كما أنه لا يمكن الجمع بين اليهود والنصارى والوثنيين وأهل
السنة، فكذلك لا يمكن التقريب بين الرافضة وبين أهل السنة لاختلاف العقيدة التي
أوضحناها .
وسئل رحمه الله : وهل يمكن التعامل معهم لضرب العدو الخارجي كالشيوعية
وغيرها ؟ .
فأجاب رحمه الله: لا أرى ذلك ممكنا، بل يجب على أهل السنة أن يتحدوا وأن
يكونوا أمة واحدة وجسدا واحدا وأن يدعوا الرافضة أن يلتزموا بما دل عليه كتاب الله
وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم من الحق، فإذا التزموا بذلك صاروا إخواننا وعلينا
أن نتعاون معهم، أما ما داموا مصرين على ما هم عليه من بغض الصحابة وسب الصحابة
إلا نفرا قليلا وسب الصديق وعمر وعبادة أهل البيت كعلي - رضي الله عنه - وفاطمة
والحسن والحسين، واعتقادهم في الأئمة الاثنتي عشرة أنهم معصومون وأنهم يعلمون
الغيب. كل هذا من أبطل الباطل وكل هذا يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة.
(انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز"/5
/ ص 156-157).
وقال فضيلة
الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله: ودعوى الاستغناء عن السنة هي في واقعها محاولة
للاستغناء عن الإسلام، بأسلوب ملتوٍ، غير صريح، ويؤكد هذا ما سبق أن ذكرنا من أن
أصل هذه المحاولة من الزنادقة، وغلاة الرافضة، الذين صرحوا بتكفير الصحابة، الذين
هم سند هذا الدين، والذين نطق بهم القرآن وأثنى عليهم، من المهاجرين والأنصار؛
وتكفير هؤلاء السادة، إنما يعني تكذيب الله سبحانه في إخباره أنه رضي الله عنهم
ورضوا عنه، وأنههم اتبعوا رسوله، النبي الأمي في ساعة العسرة. كما يتضمن تكذيب خبر
الرسول عليه الصلاة والسلام في ثنائه عليهم، وشهادته لمجموعة كبير منهم أنهم من
أهل الجنة، ومن تجرأ على مثل هذا التصرف، ووصل إلى هذه الدرجة، فعليه أن يراجع
الإسلام من جديد، لأنه قطع علاقته بالإسلام بهذا التصرف، الذي يعتبر ردة عن
الإسلام. ("منزلة السنة"/محمد أمان
الجامي /51
/ص24).
وقال العلامة المحدث الألباني رحمه الله، مجيباً لسؤالٍ وُجه إليه، عن
حُكمه في المدعو الخميني ما نصه: فقد وقفت على الأقوال الخمسة التي نقلتموها عن
كتب المسمى بـ (روح الله الخميني) راغبين مني بيانَ حكمي فيها، وفي قائلها، فأقول
وبالله تعالى وحده أستعين: إن كل قول من تلك الأقوال الخمسة كفر بواح، وشرك صراح،
لمخالفته للقرآن الكريم، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة، وما هو معلوم من الدين
بالضرورة. ولذلك فكل من قال بها، معتقداً، ولو ببعض ما فيها، فهو مشرك كافر، وإن
صام وصلى وزعم أنه مسلم. (انتهى كلامه من كتاب "الشيعة
الإمامية الاثنا عشرية في ميزان الإسلام"/ لربيع السعودي/"موسوعة فرق الشيعة"/ص 92).
وقال فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ويقولون : (إن من أصول عقيدتنا أن
من أئمتنا من هو في منزلةٍ لا ينالها مَلَكٌ مقرب ولا نبي مرسل) وهذا يعني تفضيل
أئمتهم على الأنبياء والرسل فهم كفروا بالربوبية أولاً ، وقالوا : الذي يدبر الكون
هم الأئمة ثم كفروا بالرسل أيضاً ، قالوا إن أئمتهم خيرٌ من الرسل. ("شرح العقيدة السفارينية"/2/ص
32).
وقال رحمه الله: أن من سبهم على سبيل العموم يكفر أيضاً؛ لأن سب الصحابة
رضي الله عنهم قدحٌ في الشريعة الإسلامية، إذ إن الشريعة الإسلامية ما جاءت إلا من
طريقهم، وسب الصحابة ـ أيضاً ـ سب للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ لأن رجلاً يكون
أصحابه محل التنقص، والعيب، والسب لا خير فيه؛ لأن الإنسان على دين خليله، وكيف
يمكن لرجل مؤمن أن يقول: إن محمداً ـ عليه الصلاة والسلام ـ صحابته من أخس عباد
الله، وأظلم عباد الله، وأنهم طواغيت، وما أشبه ذلك؟!
وسب الصحابة يتضمن بالإضافة إلى ذلك سب الله ـ عزّ وجل ـ حيث اختار لنبيه ـ
عليه الصلاة والسلام وهو أفضل الخلق عنده ـ مثل هؤلاء الرجال، ولأن الله أثنى
عليهم فقال: ﴿لاَ
يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ
أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ
وَعَدَ الله الْحُسْنَى﴾ [الحديد: 10] . ولذلك فسب الصحابة يتضمن أربعة محاذير:
سبهم، وسب النبي عليه الصلاة والسلام، وسب الشريعة الإسلامية، وسب الله عزّ
وجل. ("الشرح الممتع على زاد المستقنع"/14
/ص437).
وقال الإمام الوادعي رحمه الله: وأما إمام الضلالة الخميني فلا شك عندي في
كفره لثلاثة أمور:
1- قوله: إن لأئمتنا منْزلة لا ينالها نبي مرسل، ولا ملك مقرب.
2- قوله: إننا نهاب نصوص أئمتنا كما نهاب القرآن.
3- قوله: إن الأنبياء والأئمة لم يكملوا مهمتهم والذي يكمل مهمته هو
المهدي.
كذا قال هذا الخبيث، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم
نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾. ("الإلحاد الخميني في أرض الحرمين"/ص 330).
وسئل فضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله عمن صرح في الطعن في
الصحابة، ورمى عائشة بالزنا، وأنها تخترع الأحاديث على النبي صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب حفظه الله: إن كان هذا يعيش في دولة مسلمة وجهر بهذا المذهب فواجب
تلك الدولة أن تقتله، هذا كافر بالإجماع. الذي يقدح في عائشة ويرميها بالزنا كافر
بإجماع المسلمين ويجب قتله لأن الطعن فيها طعن في رسول الله عليه الصلاة والسلام،
والطعن فيها من أخبث أنواع الطعن في نبي الله صلى الله عليه وسلم، وتكذيب لله الذي
برأها من الإفك الذي رميت به ليس مجرد طعن فقط، بل هو طعن في عرض رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وتكذيب لله، لكن من يقتله الآن؟! ثم هذا ليس هو الرافضي الوحيد الذي
يعتقد هذه العقيدة ويتفوه بهذا الكلام، فمعظم الروافض على هذا المنهج الخبيث!
وكتبهم تشهد عليهم وإن حاولوا إنكار ذلك، فإن كتب أئمتهم ومراجعهم الحقيقية تبين
أن هذه هي عقيدتهم وهذا منهجهم. ("فتاوى فضيلة الشيخ ربيع
المدخلي"/14/ص450-451/دار الإمام
أحمد).
وقال فضيلة شيخنا يحيى بن علي الحجوري
حفظه الله: الرافضي كافر، الروافض كفار. وقد أفتى أهل العلم بذلك، ومن ذلك فتاوى
الشيخ ابن باز رحمه الله أنها لا تؤكل ذبائحهم، وغير الشيخ ابن باز رحمه الله من
علماء المسلمين كما سيأتي ممن قبله وممن بعده، فإذا علم أنه رافضي فلا ولاية له
إجماعا نقله ابن المنذر. ("الحجج القاطعة"/ الشيخ يحي الحجوري /ص59).
وقال حفظه الله: ولم يكفر الزيدية علماء
المسلمين إنما كفروا الروافض. ("الحجج القاطعة"/ الشيخ يحي الحجوري /ص73).
الباب الخامس:
خطر حال من لم يكفر الرافضة بعد بلوغه
العلم
إن كفر الرافضة أمر لا شك فيه كالشمس في
رابعة النهار، ولكن الآفة في أعين العميان. قال العلامة محمد شكري الألوسي رحمه
الله: ولعمري إن كفرهم أشهر من كفر إبليس، وبغضهم للصحابة -رضي الله عنهم- لا
يخفيه تدليس ولا تلبيس. ("صب العذاب على من سب
الأصحاب"/ص
227).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
ما ضر شمس
الضحى والشمس طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
("إعلام الموقعين"/2/ص368/دار الحديث).
وقال العلامة محمد شكري
الألوسي رحمه الله: فمن ينكر ضوء الشمس، أو يمتري في البدر ليلة تمه إلا من أعمى
الله تعالى عين بصيرته، تاه في ظلمات ضلالته.
والنجم
تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
("صب العذاب على من سب الأصحاب"/ص 377).
وقال رحمه الله: ولا يخفاك أن الروافض
قد لهجوا بسب ولعن من ثبت بنصوص الكتاب والسنة والعترة الطاهرة إيمانه وإسلامه . فوجه
كفرهم حينئذ قد علم بالضرورة، ولا محيص لهم عن ذلك بوجه من الوجوه. ("صب العذاب على من سب الأصحاب"/ص 235).
فمن بلغه أسباب كفر الرافضة وأقوال
العلماء في كفرهم، ثم لم يكفرهم فإنه في خطر عظيم لمخالفته ما يعلم من الدين
بالضرورة.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: وأما من لعن وقبح مطلقا فهذا محل الخلاف فيهم
لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم
ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا
أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضا في كفره فإنه مكذب لما نصه القرآن
في غير موضع: من الرضا عنهم، والثناء عليهم. بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره
متعين فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق وأن هذه
الأمة التي هي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وخيرها هو
القرن الأول كان عامتهم كفارا أو فساقا ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي
هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ولهذا
تجد عامة من ظهر عنه شيء من هذه الأقوال فإنه يتبين أنه زنديق وعامة الزنادقة إنما
يستترون بمذهبهم وقد ظهرت لله فيهم مثلات وتواتر النقل بأن وجوههم تمسخ خنازير في
المحيا والممات وجمع العلماء ما بلغهم في ذلك وممن صنف فيه الحافظ الصالح أبو عبد
الله محمد بن عبد الواحد المقدسي كتابه في النهي عن سب إلا صحاب وما جاء فيه من
الإثم والعقاب. ("الصارم المسلول"/ص 586-587).
وبعد أن ذكر
تكفير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله للرافضة، قال العلامة الشيخ محمد بن عبد
اللطيف آل الشيخ رحمه الله: فهذا حكم الرافضة في الأصل، وأما الآن، فحالهم أقبح
وأشنع، لأنهم أضافوا إلى ذلك: الغلو في الأولياء، والصالحين من أهل البيت وغيرهم،
واعتقدوا فيهم النفع والضر، في الشدة والرخاء، ويرون أن ذلك قربة تقربهم إلى الله،
ودين يدينون به؛ فمن توقف في كفرهم والحالة هذه، وارتاب فيه، فهو جاهل بحقيقة
ما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، فليراجع دينه قبل حلول رمسه. ("الدرر السنية في الأجوبة
النجدية"/8/ 450).
الباب السادس:
جهاد الكفار والزنادقة بالسيف والسنان والأقلام واللسان
إذا قد ثبت أن الرافضة كفار كفرا حربيا
وهم مع ذلك بغاة، فقتالهم شرعي، وجهادهم جهاد في سبيل الله. وقد أمر الله تعالى
بقتال البغاة، فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى
فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِنْ فَاءَتْ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات/9].
وأمر بقتال المشركين حتى لا تكون فتنة،
فقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ
سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ
حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْا
فَإِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ الله
مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير﴾ [الأنفال/38-40]
وأمرنا بجهاد الكفار والمنافقين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ
الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73]
والجهاد قد
يكون قتالا بالسنان وقد يكون باللسان والبنان.
والرافضة مرتدون كافرون بغاة منافقون، فقتالهم مشروع، وجهادهم
جهاد في سبيل الله، بالأدلة السابقة. وقتال المارقين مشروع، كما في حديث أبي سعيد
رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من ضئضئ هذا، أو: في عقب هذا
قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية،
يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».
(أخرجه البخاري (3344) ومسلم (1064)).
قال الإمام
النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»
أي قتلا عاما مستأصلا كما قال تعالى: ﴿فهل ترى لهم من باقية﴾، وفيه الحث
على قتالهم، وفضيلة لعلي رضي الله عنه في قتالهم. ("شرح النووي على مسلم"/7/ ص162).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله في
الممتنعين عن شرائع الإسلام: فإن كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم كما يقاتل
المرتدون، كما قاتل الصديق والصحابة أصحاب مسيلمة الكذاب. وإذا كانوا في قرى
المسلمين فرقوا وأسكنوا بين المسلمين بعد التوبة، وألزموا بشرائع الإسلام التي تجب
على المسلمين. وليس هذا مختصا بغالية الرافضة بل من غلا في أحد من المشايخ
وقال : إنه يرزقه، أو يسقط عنه الصلاة، أو أن شيخه أفضل من النبي، أو أنه مستغن عن
شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن له إلى الله طريقا غير شريعة النبي صلى الله
عليه وسلم، أو أن أحدا من المشايخ يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم كما كان الخضر
مع موسى. وكل هؤلاء كفار يجب قتالهم بإجماع المسلمين، وقتل الواحد المقدور
عليه منهم. وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روي عنهما - أعني
عمر وعليا - قتلهما أيضا. والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من
هؤلاء فلم يتنازعوا في وجوب قتلهم إذا كانوا ممتنعين. فإن القتال أوسع من القتل
كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون البغاة، وإن كان أحدهم إذا قدر عليه لم يعاقب
إلا بما أمر الله ورسوله به. وهذه النصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم
في الخوارج قد أدخل فيها العلماء لفظا أو معنى من كان في معناهم من أهل الأهواء
الخارجين عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة المسلمين ؛ بل بعض
هؤلاء شرّ من الخوارج الحرورية ؛ مثل الخرمية والقرامطة والنصيرية وكل من
اعتقد في بشر أنه إله أو في غير الأنبياء أنه نبي وقاتل على ذلك المسلمين : فهو شر
من الخوارج الحرورية . والنبي صلى الله عليه وسلم إنما ذكر الخوارج الحرورية لأنهم
أول صنف من أهل البدع خرجوا بعده ؛ بل أولهم خرج في حياته . ("مجموع الفتاوى"/28/ص 475-476).
إن شرور الرافضة أعظم من شر الخوارج،
فقتالهم حتم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهؤلاء
الرافضة إن لم يكونوا شرا من الخوارج المنصوصين فليسوا دونهم ؛ فإن أولئك إنما
كفروا عثمان وعليا وأتباع عثمان وعلي فقط ؛ دون من قعد عن القتال أو مات قبل ذلك .
والرافضة كفرت أبا بكر وعمر وعثمان وعامة المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم
بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وكفروا جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم
من المتقدمين والمتأخرين. فيكفرون كل من اعتقد في أبي بكر وعمر والمهاجرين
والأنصار العدالة أو ترضى عنهم كما رضي الله عنهم، أو يستغفر لهم كما أمر الله
بالاستغفار لهم ولهذا يكفرون أعلام الملة : مثل سعيد بن المسيب، وأبي مسلم
الخولاني، وأويس القرني، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، ومثل مالك،
والأوزاعي، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والثوري، والشافعي، وأحمد بن
حنبل، وفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل
بن عبد الله التستري وغير هؤلاء . ويستحلون دماء من خرج عنهم ويسمون مذهبهم مذهب
الجمهور كما يسميه المتفلسفة ونحوهم بذلك وكما تسميه المعتزلة مذهب الحشو والعامة
وأهل الحديث . –إلى قوله:-
ولهذا السبب يعاونون الكفار على الجمهور من المسلمين فيعاونون التتار على
الجمهور . وهم كانوا من أعظم الأسباب في خروج جنكيزخان ملك الكفار إلى بلاد
الإسلام وفي قدوم هولاكو إلى بلاد العراق؛ وفي أخذ حلب ونهب الصالحية وغير ذلك
بخبثهم ومكرهم ؛ لما دخل فيه من توزر منهم للمسلمين وغير من توزر منهم.
وبهذا السبب نهبوا عسكر المسلمين لما مر عليهم وقت انصرافه إلى مصر في
النوبة الأولى.
وبهذا السبب يقطعون الطرقات على المسلمين.
وبهذا السبب ظهر فيهم من معاونة التتار والإفرنج على المسلمين والكآبة
الشديدة بانتصار الإسلام ما ظهر وكذلك لما فتح المسلمون الساحل - عكة وغيرها - ظهر
فيهم من الانتصار للنصارى وتقديمهم على المسلمين ما قد سمعه الناس منهم.
وكل هذا الذي وصفت بعض أمورهم وإلا فالأمر أعظم من ذلك.
وقد اتفق أهل العلم بالأحوال ؛ أن أعظم السيوف التي سلت على أهل القبلة ممن
ينتسب إليها وأعظم الفساد الذي جرى على المسلمين ممن ينتسب إلى أهل القبلة : إنما
هو من الطوائف المنتسبة إليهم . فهم أشد ضررا على الدين وأهله وأبعد عن شرائع
الإسلام من الخوارج الحرورية. ولهذا كانوا أكذب فرق الأمة. فليس في الطوائف
المنتسبة إلى القبلة أكثر كذبا ولا أكثر تصديقا للكذب وتكذيبا للصدق منهم وسيما
النفاق فيهم أظهر منه في سائر الناس. ("مجموع الفتاوى"/28 / ص 477-479).
وقال رحمه الله: فبهذا يتبين أنهم شر من عامة أهل الأهواء وأحق بالقتال من
الخوارج . وهذا هو السبب فيما شاع في العرف العام : أن أهل البدع هم الرافضة :
فالعامة شاع عندها أن ضد السني هو الرافضي فقط، لأنهم أظهر معاندة لسنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم وشرائع دينه من سائر أهل الأهواء. ("مجموع
الفتاوى"/28/ص 482).
قلت –وفقني
الله-: ثم إن قتال الرافضة أعظم من قتال البغاة المسلمين، لأن قتال الرافضة قتال المرتدين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أن قتال
هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين : فهو غالط جاهل بحقيقة شريعة الإسلام وتخصيصه
هؤلاء الخارجين عنها . فإن هؤلاء لو ساسوا البلاد التي يغلبون عليها بشريعة
الإسلام كانوا ملوكا كسائر الملوك ؛ وإنما هم خارجون عن نفس شريعة رسول الله صلى
الله عليه وسلم وسنته شرا من خروج الخوارج الحرورية وليس لهم تأويل سائغ ؛ فإن
التأويل السائغ هو الجائز الذي يقر صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب كتأويل العلماء
المتنازعين في موارد الاجتهاد . وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ولكن
لهم تأويل من جنس تأويل مانعي الزكاة والخوارج واليهود والنصارى . وتأويلهم شر
تأويلات أهل الأهواء . ("مجموع الفتاوى"/28/ص 486).
وقال رحمه الله: والرافضة جهمية قدرية وفيهم من الكذب والبدع والافتراء على
الله ورسوله أعظم مما في الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي وسائر
الصحابة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل فيهم من الردة عن شرائع الدين
أعظم مما في مانعي الزكاة الذين قاتلهم أبو بكر الصديق والصحابة . ومن أعظم ما
ذم به النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج قوله فيهم: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون
أهل الأوثان» كما أخرجا في الصحيحين ؛ عن أبي سعيد –وذكر
بعض الأدلة- فهؤلاء الخوارج المارقون من أعظم ما ذمهم به النبي صلى الله عليه وسلم
أنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان وذكر : أنهم يخرجون على حين فرقة من
الناس، والخوارج مع هذا لم يكونوا يعاونون الكفار على قتال المسلمين. والرافضة
يعاونون الكفار على قتال المسلمين، فلم يكفهم أنهم لا يقاتلون الكفار مع المسلمين
حتى قاتلوا المسلمين مع الكفار فكانوا أعظم مروقا عن الدين من أولئك المارقين
بكثير كثير . وقد أجمع المسلمون على وجوب قتال الخوارج والروافض ونحوهم إذا
فارقوا جماعة المسلمين كما قاتلهم علي رضي الله عنه، فكيف إذا ضموا إلى ذلك من
أحكام المشركين - كنائسا - وجنكسخان ملك المشركين : ما هو من أعظم المضادة لدين
الإسلام وكل من قفز إليهم من أمراء العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم وفيهم من
الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام . وإذا كان السلف قد
سموا مانعي الزكاة مرتدين - مع كونهم يصومون . ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين
- فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلا للمسلمين مع أنه والعياذ بالله لو
استولى هؤلاء المحاربون لله ورسوله المحادون لله ورسوله المعادون لله ورسوله على
أرض الشام ومصر في مثل هذا الوقت لأفضى ذلك إلى زوال دين الإسلام ودروس شرائعه . ("مجموع الفتاوى"/28/ص 528-531).
وقال العلامة المفتي محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: وهؤلاء الروافض
قد ارتكبوا بهذا الصنيع عدة جرائم شنيعة: له النكاح عليه قبحهم الله وأَخزاهم،
وهذا يدل على خبثهم وشدة عداوتهم للإسلام والمسلمين، فيجب على المسلمين أَن يغاروا
لأَفاضل أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَن يقدموا على هؤلاء الروافض قيام
صدق لله تعالى، ويحاكموهم محاكمة قوية دقيقة، ويوقعوا عليهم الجزاء الصارم البليغ،
سواءٌ كان القتل أَو غيره حسب ما يراه الحاكم بنظره المصلحي الشرعي. والمأمول من
ولاة الأُمور عندكم وفقهم الله وهداهم القيام حول ما ذكر بما يلزم شرعًا بالضرب
على هؤلاء بيد من حديد غيرة لديننا وخيار سلفنا وزجرًا لمن تسول له نفسه مثل
صنعهم. ونسأَل الله أَن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويذل أَعداءَه، ويوفق ولاة الأَمر
لما فيه عز الإسلام والمسلمين. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ("فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ"/1 /ص214-215).
وقال الإمام الوادعي رحمه الله: فالعامة هم أتباع كل ناعق، وإذا لم يقم
العلماء بحراسة العقيدة والذب عنها وبيان ما الرافضة عليه من خبث العقيدة، فإن
العامة لا يعرفون إلا الإسلام ولا يفرقون بين رافضي وسني، بل قد بلغ ببعضهم أنه لا
يفرق بين العالم والمنجم، ولا بين الشيوعي والمسلم.
وأنتم تعلمون أن الرافضة في جميع العالم الإسلامي متربصون بكم الدوائر،
وتعلمون ما حصل من الصراع بين الرافضة وأهل السنة. ("الإلحاد
الخميني في أرض الحرمين"/ص 104).
إن في جهاد
هؤلاء المارقين أجورا عظيمة. فعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون
من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم
حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة».
(أخرجه البخاري (3611) ومسلم (1066)).
وعن عبد الله
بن مسعود رضي الله عنه نحوه، أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده برقم (175)، بسند حسن.
وعن أبي غالب رحمه الله يقول:
لَمَّا أُتِىَ بِرُءُوسِ الأَزَارِقَةِ فَنُصِبَتْ عَلَى دَرَجِ دِمَشْقَ جَاءَ
أَبُو أُمَامَةَ فَلَمَّا رَآهُمْ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ: «كِلاَبُ النَّارِ
- ثَلاَثَ مَرَّاتٍ - هَؤُلاَءِ شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ
السَّمَاءِ وَخَيْرُ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ الَّذِينَ
قَتَلَهُمْ هَؤُلاَءِ». قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا شَأْنُكَ دَمَعَتْ عَيْنَاكَ؟
قَالَ: رَحْمَةً لَهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ. قَالَ:
قُلْنَا: أَبِرَأْيِكَ قُلْتَ هَؤُلاَءِ كِلاَبُ النَّارِ، أَوْ شَىْءٌ سَمِعْتَهُ
مِنْ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: إِنِّى لَجَرِىءٌ بَلْ سَمِعْتُهُ
مِنْ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ ثِنْتَيْنِ وَلاَ
ثَلاَثٍ. قَالَ: فَعَدَّ مِرَاراً. (أخرجه الإمام أحمد ((22314)/الرسالة) وصححه الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح
المسند" رقم (482) /دار الآثار).
فطوبى للشهداء
في سبيل الله. فعن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين
قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: 169] قال:
أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة
بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم
اطلاعة»، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا،
ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب،
نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم
حاجة تركوا». (أخرجه مسلم (1887)).
وعن أبي هريرة
رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مكلوم يكلم في
سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى، اللون لون دم، والريح ريح مسك».
(أخرجه البخاري (5533)).
وعن سمرة، قال
النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت الليلة رجلين أتياني، فصعدا بي الشجرة
فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل، لم أر قط أحسن منها، قالا: أما هذه الدار فدار
الشهداء». (أخرجه البخاري (2791)).
الباب
السابع: شبهات مانعي تكفير الرافضة
قبل أن ندخل في هدم شبهات مانعي تكفير الرافضة لا بد أن نعلم
أن العمل داخل في الإيمان، وأن الإيمان شامل لعمل القلب، واللسان، والجوارح. قال
شيخ الإسلام رحمه الله: ومن أصول أهل السنة: أن الدين والأيمان قول وعمل، قول
القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
("مجموع الفتاوى"/3/ص 151).
فلما كان كذلك فالإيمان
قد ينقص –بل يذهب
بالكلية- بسبب إحدى هذه الأمور الثلاثة: عمل القلب، واللسان، والجوارح. فأسباب
الردة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الأسباب
القلبية،
مثل أن يعتقد أن الله يحلّ في بعض المخلوقين، أو أنه يتّحد معهم. قال شيخ الإسلام
رحمه الله: من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قُتل الحلاج عليها فهو
كافر مرتد باتفاق المسلمين، فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد.
("مجموع الفتاوى"/2 / ص 480).
وكذلك اعتقاد
أن القرآن الذي بين أيدي جماهير المسلمين محرّف، فإنه كفر. قال الإمام النووي رحمه
الله: أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق، وتنزيهه، وصيانته.
وأجمعوا على أن من جحد منه حرفًا مما أجمع عليه، أو زاد حرفًا لم يقرأ به أحد وهو
عالم بذلك فهو كافر. ("التبيان في آداب حملة القرآن"/1/ص 164).
الثاني:
الأسباب القولية. قال الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِالله مَا قَالُوا وَلَقَدْ
قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: 74]
ومثل أن يطعن
في الإسلام. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا
أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ
الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾
[التوبة: 12].
قال الإمام
القرطبي رحمه الله: استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في
الدين، إذ هو كافر. والطعن: أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض بالاستخفاف على
ما هو من الدين، لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة فروعه. وقال ابن
المنذر: أجمع عامة أهل العلم على أن من سبّ النبي صلى الله عليه وسلم عليه القتل.
("الجامع لأحكام القرآن" /8 / ص 82).
وكذلك قول
قدماء القدرية. قال فيهم العلامة محمد خليل هراس رحمه الله: وكانوا يقولون: إن
الأمر أُنف. ومنكر هذه الدرجة من القدر كافر؛ لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة،
وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع. ("شرح العقيدة الواسطية"/له/ص 299).
الثالث:
الأسباب الفعلية، مثل قتل نبي من الأنبياء –عليه السلام-. قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ
بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ
وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ الله
بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 87، 88].
فالعبد قد يرتد
عن الإسلام بسبب قولي، أو فعل، أو اعتقادي، أو جمع بين هذه الأسباب. وإذا فُهم هذا
فلنشرع في ذكر بعض الشبهات وهدمها، بحول الله وقوته وحده.
الشبهة الأولى: قالوا: إنهم يقولون (لا إله إلا
الله وأن محمد رسول الله)!
فالجواب:
إن الذي قال: (لا إله إلا الله) فإنه مسلم حرام دمه وماله
وعرضه. فإذا أشرك بالله شركا أكبر، أو جحد ما يعلم من الدين بالضرورة فقد نقض هذه
الكلمة، فهدم بنيان إسلامه لأن الإسلام مبني على خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله
وأن محمدا رسول الله، ... إلخ ، وصار كافرا مرتدا، فلا تنفعه معه شهادته وادعاؤه الإسلام.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه و سلم: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله
إلا بإحدى ثلاث الثيب الزان والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة». (أخرجه
مسلم (1676)).
هذا الحديث واضح في بيان إمكانية الردة
بعد الإسلام. قال الإمام ابن رجب رحمه الله: وأيضا فقد يترك دينه ، ويفارق الجماعة
، وهو مقر بالشهادتين ، ويدعي الإسلام ، كما إذا جحد شيئا من أركان الإسلام ، أو
سب الله ورسوله ، أو كفر ببعض الملائكة أو النبيين أو الكتب المذكورة في القرآن مع
العلم بذلك. ("جامع العلوم
والحكم"/16 /ص11).
وقال رحمه الله: وأما ترك الدين ،
ومفارقة الجماعة ، فمعناه : الارتداد عن دين الإسلام ولو أتى بالشهادتين،
فلو سب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو مقر بالشهادتين ، أبيح دمه ؛
لأنه قد ترك بذلك دينه. وكذلك لو استهان بالمصحف ، وألقاه في القاذورات ، أو جحد
ما يعلم من الدين بالضرورة كالصلاة ، وما أشبه ذلك مما يخرج من الدين. ("جامع العلوم والحكم"/16 /ص26).
وقال القاضي عياض رحمه الله: وكذلك نكفر
بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحا بالإسلام مع
فعله ذلك الفعل كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار والسعي إلى الكنائس
والبيع مع أهلها والتزي بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس، فقد أجمع المسلمون أن
هذا لا يوجد إلا من كافر، وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها
بالإسلام. ("الشفا بتعريف
حقوق المصطفى"/2 /ص287).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع
الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت
بالشهادتين. ("مجموع الفتاوى"/28 /ص510-511).
وقال رحمه الله: إن من لم يعتقد وجوب الصلوات الخمس، والزكاة
المفروضة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، ولا يحرم ما حرم الله ورسوله من
الفواحش، والظلم، والشرك، والإفك، فهو كافر مرتد، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل باتفاق
أئمة المسلمين، ولا يغني عنه التكلم بالشهادتين . ("مجموع الفتاوى"/35/ص105).
وقد سُئِل شيخ الإسلام رحمه الله: عن قوم ذوى شوكة مقيمين
بأرض، وهم لا يصلون الصلوات المكتوبات، وليس عندهم مسجد، ولا أذان، ولا إقامة، وإن
صلى أحدهم صلى الصلاة غير المشروعة ، ولا يؤدون الزكاة مع كثرة أموالهم من المواشي
والزروع، وهم يقتتلون فيقتل بعضهم بعضًا، وينهبون مال بعضهم بعضًا، ويقتلون
الأطفال، وقد لا يمتنعون عن سفك الدماء وأخذ الأموال، لا في شهر رمضان ولا فى
الأشهر الحرم ولا غيرها، وإذا أسر بعضهم بعضًا باعوا أسراهم للإفرنج . ويبيعون
رقيقهم من الذكور والإناث للإفرنج علانية، ويسوقونهم كسوق الدواب، ويتزوجون المرأة
في عدتها، ولا يورثون النساء، ولا ينقادون لحاكم المسلمين، وإذا دعي أحدهم إلى
الشرع قال : أنا الشرع، إلى غير ذلك . فهل يجوز قتالهم والحالة هذه ؟ وكيف الطريق
إلى دخولهم في الإسلام مع ما ذكر ؟
فأجاب رحمه الله:
نعم . يجوز، بل يجب بإجماع المسلمين قتال هؤلاء وأمثالهم من
كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ مثل الطائفة
الممتنعة عن الصلوات الخمس، أو عن أداء الزكاة المفروضة إلى الأصناف الثمانية التي
سماها الله تعالى في كتابه، أو عن صيام شهر رمضان، أو الذين لا يمتنعون عن سفك
دماء المسلمين وأخذ أموالهم، أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بعث الله به رسوله،
كما قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة رضي الله عنهم في مانعي الزكاة، وكما قاتل
علي بن أبي طالب وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج، الذين قال فيهم النبي
صلى الله عليه وسلم : «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته
مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من
الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم
القيامة»([21])، وذلك بقوله
تعالى : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ
تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [ الأنفال : 39 ] ، وبقوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله
وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ
تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله﴾
[ البقرة : 278، 279 ] . والربا آخر ما حرمه الله ورسوله، فكيف بما هو أعظم
تحريمًا ؟!
ويدعون قبل القتال إلى التزام شرائع الإسلام، فإن التزموها
استوثق منهم، ولم يكتف منهم بمجرد الكلام. كما فعل أبو بكر بمن قاتلهم بعد أن
أذلهم، وقال : اختاروا؛ إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية، وقال: أنا خليفة
رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالوا : هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم
المخزية ؟ قال: تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وننزع منكم الكُرَاع
يعنى الخيل والسلاح حتى يرى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون أمرًا
بعد([22]) .
فهكذا الواجب في مثل هؤلاء إذا أظهروا الطاعة يرسل إليهم من
يعلمهم شرائع الإسلام، ويقيم بهم الصلوات، وما ينتفعون به من شرائع الإسلام. وإما
أن يستخدم بعض المطيعين منهم في جند المسلمين، ويجعلهم في جماعة المسلمين . وإما
بأن ينزع منهم السلاح الذي يقاتلون به، ويمنعون من ركوب الخيل . وإما أنهم يضعوه
حتى يستقيموا، وإما أن يقتل الممتنع منهم من التزام الشريعة . وإن لم يستجيبوا لله
ولرسوله وجب قتالهم حتى يلتزموا شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، وهذا متفق عليه
بين علماء المسلمين . والله أعلم . ("مجموع الفتاوى"/28 /ص556-558).
وقال الإمام محمد الصنعاني رحمه الله: لا شك أن من قال:
"لا إله إلا الله" من الكفار حقن دمه وماله حتى يتبين منه ما يخالف ما
قاله، ولذا أنزل الله في قصة محلم بن جثامة آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [4 : 94]
فأمرهم الله تعالى بالتثبت في شأن من قال كلمة التوحيد، فإن تبين التزامه لمعناها
كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. وإن تبين خلافه فلم يحقن دمه وماله بمجرد
التلفظ. وهكذا كل من أظهر التوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف
ذلك، فإذا تبين لم تنفعه هذه الكلمة بمجردها -إلى قوله:- فثبت أن مجرد كلمة
التوحيد غير مانع من ثبوت شرك من قالها لارتكابه لما يخالفها من عبادة غير الله. ("تطهير الاعتقاد"/ص 89-91/دار ابن حزم).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: لا خلاف بين
العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء وكذبه في
شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام ، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه ، كمن أقر
بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة ، أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة ، أو أقر
بهذا كله وجحد الصوم ، أو أقر بهذا كله وجحد الحج . ولما لم ينقد أناس في زمن
النبي - صلى الله عليه وسلم - للحج ، أنزل الله في حقهم ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ
حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله
غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [ آل عمران : 97 ] . ومن أقر بهذا كله وجحد البعث
كفر بالإجماع ، وحل دمه وماله كما قال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالله
وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ
نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ
ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا
لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [ النساء : 150 ، 151 ] . فإذا كان الله قد
صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقا ، وأنه يستحق ما ذكر ، زالت
الشبهة . وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الإحساء في كتابه الذي أرسله إلينا . ويقال
أيضا : إن كنت تقر أن من صدق الرسول في كل شيء ، وجحد وجوب الصلاة أنه كافر حلال
الدم والمال بالإجماع ، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث ، وكذلك لو جحد وجوب صوم
رمضان وصدق بذلك كله لا تختلف المذاهب فيه ، وقد نطق به القرآن كما قدمنا . فمعلوم
أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أعظم من
الصلاة والزكاة والصوم والحج فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من هذه الأمور كفر ، ولو
عمل بكل ما جاء به الرسول ، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر ،
سبحان الله ما أعجب هذا الجهل.
ويقال أيضا : هؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قاتلوا بني حنيفة ، وقد أسلموا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم يشهدون أن لا
إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويؤذنون ويصلون . فإن قال : إنهم يقولون : إن
مسيلمة نبي ، فقل : هذا هو المطلوب ، إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي - صلى
الله عليه وسلم - كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة ، فكيف بمن
رفع شمسان أو يوسف ، أو صحابيَاَ ، أو نبيا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض سبحان
الله ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [ الروم : 59 ] .
ويقال أيضا : الذين حرقهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -
بالنار كلهم يدعون الإسلام ، وهم من أصحاب علي ، وتعلموا العلم من الصحابة ، ولكن
اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما ، فكيف أجمع الصحابة على
قتلهم وكفرهم ، أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين أم تظنون أن الاعتقاد في
"تاج" وأمثاله لا يضر ، والاعتقاد في "علي بن أبي طالب" يكفر
.
ويقال أيضا : بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان
بني العباس كلهم يشهدون أن (لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) ويدعون الإسلام
، ويصلون الجمعة والجماعة ، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه
أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم ، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى
استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
ويقال أيضا : إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين
الشرك وتكذيب الرسول والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك ، فما معنى الباب الذي ذكره
العلماء في كل مذهب "باب حكم المرتد" وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه .
ثم ذكروا أنواعا كثيرة ، كل نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله حتى أنهم ذكروا
أشياء يسيرة عند من فعلها ، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه ، أو كلمة يذكرها على
وجه المزح واللعب . ويقال أيضا : الذين قال الله فيهم ﴿يَحْلِفُونَ بِالله مَا
قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾
[ التوبة : 74 ] ، أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - ويجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون . وكذلك الذين قال
الله فيهم : ﴿قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ *
لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [ التوبة : 65 ، 66 ]
، فهؤلاء الذين صرح الله فيهم أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح ، فتأمل هذه
الشبهة وهي قولهم تكفرون من المسلمين أناسا يشهدون أن ( لا إله إلا الله ) ويصلون
ويصومون ، ثم تأمل جوابها، فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق . ("كشف الشبهات"/ص 30-34).
واقرأ أيضا كلام الإمام الشوكاني رحمه الله في "الدرّ النضيد" (ص88-92/مكتبة الفلاح).
وقال الإمام
ابن عثيمين رحمه الله: ومن كان كفره بسب الصحابة رضي الله عنهم، وقال: أشهد أن لا
إله إلاَّ الله، وأن محمداً رسول الله، ولكنه أصرَّ على سب الصحابة، فإنه لم يزل
مرتداً حتى يقلع عن سب الصحابة، ويبدل هذا السبَّ بثناءٍ. ("الشرح الممتع على زاد
المستقنع"/14 /ص467).
الشبهة الثانية: من أتى بكلمة كفر أو فعل كفر، لا
يكفر ما دام في قلبه تصديق الإسلام ومعرفته!
الجواب:
هذا قول المرجئة لا قول أهل السنة. ففي الجملة: المرجئة هم
الذين قالوا بتأخير العمل عن الإيمان، فلا يضرّ العبد تركه للواجبات وارتكابه
المحرمات ما دام في قلبه التصديق والمعرفة. قال ابن منظور رحمه الله: والمرجئة صنف
من المسلمين يقولون: الإيمان قول بلا عمل. كأنهم قدموا القول وأرجؤوا العمل أي:
أخرّوه، لأنهم يرون أنهم لو لم يصلوا ولم يصوموا لنجاهم إيمانهم. ("لسان العرب"/1 /ص83).
والمرجئة فرق كثيرة وليست على كلام واحد. قال أبو الحسن
الأشعري رحمه الله: اختلفت المرجئة في الإيمان ما هو وهم اثنتا عشرة فرقة. ("مقالات الإسلاميين"/ص 132).
فمن قال قولا كفريا، أو فعل فعلا كفريا مع العلم والعمد، فإنه
كافر وإن بقي في قلبه التصديق والمعرفة. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا
لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]
فكفر إبليس بسبب استكباره، مع وجود العلم والتصديق في قلبه.
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا
جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ الله مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ
قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا
كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ
أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ الله بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ الله
مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ
وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: 89، 90]
وبين هذه الآيات أن كفر أهل الكتاب بسبب بغيهم وحسدهم، مع
وفور معرفتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ومن هنا يظهر خطأ قول جَهْم بن
صَفْوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال
القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمناً كامل الإيمان بقلبه، وهو مع
هذا يسبّ الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله،
ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين
المؤمنين غاية الإهانة، قالوا : وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل
يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن. قالوا : وإنما ثبت له في الدنيا أحكام
الكفار؛ لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار
والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به، وبخلاف ما شهد به الشهود.
فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر
معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه. فالكفر
عندهم شيء واحد وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه،
فإنهم متنازعون : هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو ؟
وهذا القول، مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه
كثير من أهل الكلام المرجئة. وقد كفَّر السلف كوَكِيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل
وأبي عبيد وغيرهم من يقول بهذا القول.
وقالوا : إبليس كافر بنص القرآن، وإنما كفره باستكباره
وامتناعه عن السجود لآدم، لا لكونه كذب خبراً . وكذلك فرعون وقومه، قال الله تعالى
فيهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾
[ النمل : 14 ] ، وقال موسى عليه السلام لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ
هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ
آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ
جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا قَالَ
لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا﴾ [ الإسراء : 101،
102 ] .
فموسى وهو الصادق المصدوق يقول: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا
أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾. فدل على
أن فرعون كان عالماً بأن الله أنزل الآيات وهو من أكبر خلق الله عناداً وبغيًا
لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه . قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي
الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ
أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [
القصص : 4 ] ، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ
ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. وكذلك اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ
آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [
البقرة : 146 ] . وكذلك كثير من المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِنَّهُمْ
لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ [
الأنعام : 33 ] .
فَهَؤلاء غلطوا في أصلين :
أحدهما : ظنهم أن
الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل، وحال، وحركة، وإرادة، ومحبة، وخشية في
القلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقًا، فإن أعمال القلوب التي يسميها بعض
الصوفية أحوالاً ومقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين أو غير
ذلك، كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب، وفيها ما أحبه ولم
يفرضه، فهو من الإيمان المستحب. فالأول لا بد لكل مؤمن منه، ومن اقتصر عليه فهو من
الأبرار أصحاب اليمين، ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين، وذلك مثل
حب الله ورسوله، بل أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، بل أن يكون الله
ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من أهله وماله، ومثل خشية الله وحده دون خشية
المخلوقين، ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين، والتوكل علي الله وحده دون
المخلوقين، والإنابة إليه مع خشيته، كما قال تعالى : ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ
لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ
مُّنِيبٍ﴾ [ ق : 32 ، 33]، ومثل الحب في الله والبغض في الله والموالاة لله
والمعاداة لله .
والثاني : ظنهم أن كل من
حكم الشارع بأنه كافر مُخَلَّد في النار، فإنما ذاك؛ لأنه لم يكن في قلبه شيء من
العلم والتصديق . وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني
آدم السَّلِيمِي الفطرة وجماهير النظار، فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره، ومع
هذا يجحد ذلك لحسده إياه، أو لطلب علوه عليه، أو لهوي النفس، يحمله ذلك الهوى على
أن يعتدي عليه، ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه، وعامة من
كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو
والرياسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض كأموال
ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك، فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم
أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم فيكونون من أكفر الناس كإبليس
وفرعون، مع علمهم بأنهم على الباطل، والرسل على الحق . ولهذا لا يذكر الكفار حجة
صحيحة تقدح في صدق الرسل، إنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح ﴿أَنُؤْمِنُ
لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [ الشعراء : 111 ] ، ومعلوم أن اتباع
الأرذلين له لا يقدح في صدقه، لكن كرهوا مشاركة أولئك، كما طلب المشركون من النبي
صلى الله عليه وسلم إبعاد الضعفاء، كسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وخَبَّاب بن
الأرَتّ، وعمار بن ياسر، وبلال ونحوهم، وكان ذلك بمكة قبل أن يكون في الصحابة أهل
الصُّفَّة، فأنزل الله تبارك وتعالى : ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ
حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ
فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم
بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ الله
بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [ الأنعام : 52، 53 ] .
ومثل قول فرعون: ﴿أَنُؤْمِنُ
لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [ المؤمنون : 47 ] ،
وقول فرعون : ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ
عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ
الْكَافِرِينَ﴾ [ الشعراء : 18، 19 ] ، ومثل قول مشركي العرب : ﴿إِن
نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ
نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا
مِن لَّدُنَّا﴾ [ القصص : 57 ] ، ومثل قول قوم شعيب له: ﴿أَصَلاَتُكَ
تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي
أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء﴾ [ هود : 87 ] ومثل قول عامة المشركين : ﴿إِنَّا
وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [
الزخرف : 23 ] .
وهذه الأمور وأمثالها ليست حججا تقدح في صدق الرسل، بل تبين
أنها تخالف إرادتهم وأهواءهم وعاداتهم . فلذلك لم يتبعوهم، وهؤلاء كلهم كفار، بل
أبو طالب وغيره كانوا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ويحبون علو كلمته، وليس
عندهم حسد له، وكانوا يعلمون صدقه، ولكن كانوا يعلمون أن في متابعته فراق دين
آبائهم وذم قريش لهم، فما احتملت نفوسهم ترك تلك العادة واحتمال هذا الذم، فلم
يتركوا الإيمان لعدم العلم بصدق الإيمان به، بل لهوى النفس، فكيف يقال : إن كل
كافر إنما كفر لعدم علمه بالله ؟
(انتهى النقل من "مجموع الفتاوى"/7 /ص188-193).
وقال العلامة محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله في كتاب "إكفار الملحدين" نقلاً عن "شرح
الشفا" للخفاجي موافقاً له: اتَّفقوا في بعض الأفعال على أَنَّها كفرٌ ، مع
أَنَّه يمكن فيها أنْ لا ينسلخ من التَّصديق، لأَنَّها أفعالُ الجوارح لا القلبَ،
وذلك كالهزل بلفظِ كفرٍ، وإِنْ لم يعتقده، وكالسُّجود لصنمٍ، وكقتل نبيٍّ ، والاستخفاف
به، وبالمصحفِ، والكعبةِ، واختلفوا في وجهِ الكفر بها بعد الاتِّفاق على التكفير.
("الاقتصاد في أن الكفر يكون
بالقول أو الفعل أو الاعتقاد"/لعلوي السقاف/ص 104).
فالخلاصة: أن من أتى بكلمة الكفر أو فعله عمدا مع
العلم فإنه كافر وإن بقي في قلبه العلم بالله وتصديق الرسالة. فالعالم بالله إذا
عاند شريعته عمدا فإنه يكفر ولا ينفعه علمه. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وأما
العالم بقلبه مع المعاداة والمخالفة الظاهرة، فهذا لم يسم قط
مؤمنًا، وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان
النبيين، ولو قال وعمل ماذا عسى أن يقول ويعمل ؟ ولا يتصور عندهم أن ينتفي عنه
الإيمان إلا إذا زال ذلك العلم من قلبه. ("مجموع الفتاوى"/7 /ص142-143).
ثم اعلم أن من تكلم بالكفر عمدا مع العلم، فإن ذلك يدل على
كفر قلبه، لأن اللسان والجوارح من جنود القلب يفعلون ما يأمرهم به. فمن أظهر تكذيب
الرسول بلسانه عمدا مع العلم، فقد كذبه بقلبه فزال التصديق.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: و اعلم أن الإيمان و إن قيل هو
التصديق فالقلب يصدق بالحق و القول يصدق في القلب و العمل يصدق القول. والتكذيب
بالقول مستلزم للتكذيب بالقلب و رافع للتصديق الذي كان في القلب و التكذيب بالقول
مستلزم للتكذيب بالقلب و رافع للتصديق الذي كان في القلب إذ أعمال الجوارح يؤثر في
القلب كما أن أعمال القلب يؤثر في الجوارح فإنما قام به كفر تعدى حكمه إلى الآخر.
("الصارم المسلول"/ص 523).
فبهذا علمنا أن الكفر العملي المختار المقرون بالعلم لا ينبعث
إلا من خبث القلب، فلا يتصور اختيار الشخص إهانة الدين أو الشرك الأكبر مع بقاء
تصديق القلب. قال الشيخ العلامة حافظ الحكمي رحمه الله:
س : إذا قيل لنا : هل
السجود للصنم والاستهانة بالكتاب وسب الرسول والهزل بالدين ونحو ذلك هذا كله من
الكفر العملي فيما يظهر ، فلم كان مخرجا من الدين وقد عرفتم الكفر الأصغر بالعملي
؟
جـ : اعلم أن هذه الأربعة
وما شاكلها ليس هي من الكفر العملي إلا من جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر
للناس ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده ، لا
يبقى معها شيء من ذلك ، فهي وإن كانت عملية في الظاهر فإنها مستلزمة للكفر
الاعتقادي ولا بد ، ولم تكن هذه لتقع إلا من منافق مارق أو معاند مارد ، وهل حمل
المنافقين في غزوة تبوك على أن ﴿قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ
إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ إلا ذلك مع قولهم لما سئلوا : ﴿إِنَّمَا
كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. قال الله تعالى : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ
بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. ونحن لم نعرف الكفر الأصغر بالعملي مطلقا ، بل بالعملي
المحض الذي لم يستلزم الاعتقاد ولم يناقض قول القلب ولا عمله .
("أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية
المنصورة"/ص 234).
فاعلم أن الرافضة قد طعنوا في القرآن،
بل بعضهم يدوسونه بأرجلهم بدون إنكار من أصحابهم. فهذا كاف بإدانتهم بالكفر
والردة، ولا عبرة لمن قال: (لعل التصديق بقي في قلوبهم)، أو (لعل سريرتهم حسنة)،
أو (لعلهم لم يقصدوا الكفر) أو نحو ذلك. لو كانت قلوبهم صحيحة لصحت أقوالهم
وأفعالهم، فلما قبحت عمدا دل ذلك على قبح القلوب. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وإذا
تكلم بكلمة الكفر طوعا فقد شرح بها صدرا وهى كفر وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ
الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي
قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ
سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِالله
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ
كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ
طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: 64 - 66]. فقد أخبر أنهم
كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له بل كنا نخوض
ونلعب. وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا
الكلام. ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام. ("مجموع الفتاوى"/7 /ص220).
وقال رحمه الله: ولهذا ظن طوائف من
الناس أن الإيمان إنما هو في القلب خاصة، وما على الجوارح ليس داخلا في مسماه،
ولكن هو من ثمراته ونتائجه الدالة عليه، حتى آل الأمرُ بغلاتهم كجهم وأتباعه إلى
أن قالوا: (يمكن أن يصدق بقلبه ولا يظهر بلسانه إلا كلمة الكفر مع قدرته على إظهارها
فيكون الذي في القلب إيمانا نافعا له في الآخرة). وقالوا: (حيث حكم الشارع بكفر
أحد بعمل أو قول فلكونه دليلا على انتفاء ما في القلب). وقولهم متناقض([23]) فإنه إذا كان
ذلك دليلا مستلزما لانتفاء الإيمان الذي في القلب امتنع أن يكون الإيمان ثابتا في
القلب مع الدليل المستلزم لنفيه. وإن لم يكن دليلا لم يجز الاستدلال به على الكفر
الباطن. ("مجموع الفتاوى"/7 /ص644-645).
وقال ابن حزم رحمه الله: وقال تعالى:
﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم أن نعف عن
طائفة منكم نعذب طائفة﴾، فنص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو
برسول من رسله كفر فخرج عن الإيمان، ولم يقل تعالى في ذلك أني علمت أن في قلوبكم
كفراً بل جعلهم كفاراً بنفس الاستهزاء. ومن ادعى غير هذا فقد قوّل الله
تعالى ما لم يقل، وكذّب على الله تعالى. ("الفصل في الملل والأهواء والنحل"/1/ص361).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: و قد اتفق
المسلمون على أن من استخف بالمصحف مثل أن يلقيه في الحش أو يركضه برجله إهانة له
أنه كافر مباح الدم. ("مجموع الفتاوى"/8 /ص425).
الشبهة الثالثة: إن
الرافضة يعتقدون صحة دينهم، وأنهم مؤمنون، ولا يعتقدون أنهم على الضلال والكفر.
ولا يكفَّر إلا من عَلم أن قوله أو فعله كفر فقصَد ذلك الكفر!
الجواب:
وهذه علةٌ ذكرها يغني عن ردها، فإن الكفار أعداءَ الرسل عليهم السلام كانوا
يعتقدون أنهم على الحق، وأن الرسل عليهم السلام وأتباعهم هم الضالون، وليس ذلك
بمانع من الحكم بكفرهم لما جاءتهم حجة الرسل ففهموه ثم أصروا على العناد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ
الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا
انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا
إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ *
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29 -
34]
وقال سبحانه عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى
رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا
أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ
النَّارِ﴾ [ص: 62 - 64].
وقال جل ذكره: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ
فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي
أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ
إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ
وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 59 - 61].
وقال تبارك وتعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ
يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ *
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ
وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: 65، 66]
قال الإمام ابن الوزير رحمه الله: وحسن ظن الإنسان بنفسه لا
يستلزم السلامة من ذلك عقلا ولا شرعا، بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم
والاستحسان لبدعتهم، وربما كان أجر ذلك عقوبة على ما اختاروه أول مرة من ذلك كما
حكا الله تعالى ذلك في قوله: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾ وهي من
عجائب العقوبات الربانية والمحذرات من المؤخذات الخفية ﴿ومكروا ومكر الله والله
خير الماكرين﴾.
وقد كثرت الآثار في أن إعجاب المرء بنفسه من المهلكات –إلى قوله:- ودليل العقوبة في ذلك أنك ترى
أهل الضلال أشد عجبا وتيها وتهليكا للناس واستحقارا لهم، نسأل الله العفو
والمعافاة من ذلك كله. ("إيثار الحق على
الخلق"/ص385-386).
فكلٌّ يدعي الإيمان والفلاح والهدى، ولكن العبرة موافقة
الدليل.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وإنما دعوى الرافضة - أو غيرهم -
من أهل الأهواء الكفر في كثير ممن سواهم، كالخوارج وكثير من المعتزلة والجهمية،
وأنهم هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات دون من سواهم، كقول اليهود والنصارى: ﴿لَن
يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ
قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ
وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 111، 112] وهذا عام في كل من عمل
لله بما أمره الله، فالعمل الصالح هو المأمور به، وإسلام وجهه لله إخلاص قصده لله.
("الإمامة في ضوء الكتاب
والسنة"/1 /ص174).
فمجرد الشعور بالحق والهدى وأن غيره على الباطل والضلال لا
يمنع أن يحكم عليه بالكفر لثبوت ارتكابه لناقض من نواقض الإسلام بعد بلوغ الحجة ثم
عاند.
فلو أن من شروط التكفير عدم شعور المحكوم عليه به لكان تكفير
كثير من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم ممنوعا لأنهم زعموا أنهم على الحق، وأن
المسلمين على الباطل. فهذا خلاف النصوص وما عليه الصحابة رضي الله عنهم.
قال الإمام ابن الوزير رحمه الله: ومن العجب أن الخصوم من
البهاشمة([24]) وغيرهم لم
يساعدوا على تكفير النصارى الذي قالوا: (إن الله ثالث ثلاثة)، ومن قال بقولهم مع
نص القرآن على كفرهم إلا بشرط أن يعتقدوا ذلك مع القول. ("إيثار الحق على الخلق"/ص 379).
ثم إن التكفير هو الحكم على الظاهر، ولا يكلفنا ربنا عز وجل
على شق الصدور لنعرف ما تضمره القلوب. فمن اشترط في التكفير معرفة اعتقاد القلوب
وعدم الاكتفاء بظواهر اللسان والجنان فقد كلفنا بما يشبه المحال. قال الإمام ابن
الوزير رحمه الله في الرد عن أصحاب هذا القول: وعلى هذا –على حد زعمهم- لا يكون شيء من الأفعال والأقوال
كفرا إلا مع الاعتقاد حتى قتل الأنبياء والاعتقاد من السرائر المحجوبة، فلا يتحقق
كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص شخص، ولا يدل حرب الأنبياء على ذلك لاحتمال أن
يكون على الظاهر، كقوله: «فمن حكمت له بمال أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار»([25]). ("إيثار الحق على الخلق"/ص 380).
وقال ابن حزم رحمه الله: فهذه منهم
دعاوي كاذبة مفتراة لا دليل لهم عليها، ولا برهان، لا من نص، ولا سنة صحيحة، ولا
سقيمة، ولا من حجة عقل أصلاً، ولا من إجماع، ولا من قياس، ولا من قول أحد من السلف
قبل اللعين جهم ابن صفوان. وما كان هكذا فهو باطل وإفك وزور، فسقط قولهم هذا من
قرب ولله الحمد رب العالمين. فكيف والبرهان قائم بإبطال هذه الدعوى من القرآن
والسنن والإجماع والمعقول والحس والمشاهدة الضرورية فأما القرآن فإن الله عز وجل يقول:
﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله﴾ وقال
تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ فأخبر تعالى بأنهم يصدقون
بالله تعالى وهم مع ذلك مشركون قال تعالى: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه
الحق من ربهم﴾.
هذه شهادة من الله مكذبة بقول هؤلاء
الضلال لا يردها مسلم أصلاً. ("الفصل في الملل
والأهواء والنحل"/1/ص359).
ومن اشترط أن يكون الفاعل أو القائل قصد
كفرا حتى يحكم عليه بالكفر فهذا مردود أيضا. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: كل
كذب عليه –صلى الله عليه
وسلم- فإنه متضمن للطعن عليه كما تقدم. ثم إن هذا الرجل لم يذكر في الحديث أنه قصد
الطعن و الإزراء، و إنما قصد تحصيل شهوته بالكذب عليه، و هذا شأن كل من تعمد الكذب
عليه، فإنه إنما يقصد تحصيل غرض له إن لم يقصد الاستهزاء به. والأغراض في الغالب
إما مال أو شرف كما أن المسيء إنما يقصد ـ إذا لم يقصد مجرد الإضلال ـ إما الرياسة
بنفاذ الأمر و حصول التعظيم أو تحصيل الشهوات الظاهرة. و بالجملة: فمن قال أو
فعل ما هو كفر كفر بذلك و إن لم يقصد أن يكون كافرا، إذ لا يقصد الكفر
أحد إلا ما شاء الله. ("الصارم المسلول"/ص 184).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: فمن قال
بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامدا لها عالما بأنها كلمة كفر [فإنه يكفر بذلك
ظاهرا و باطنا، و لأنا لا نجوز أن يقال : (إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا) و
من قال ذلك فقد مرق من الإسلام قال سبحانه : ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه ـ
إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان و لكن من شرح بالكفر صدرا ـ فعليهم غضب من الله
و لهم عذاب عظيم﴾ [ النحل : 106 ]
و معلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد
القلب فقط لأن ذلك لا يكره الرجل عليه و هو قد استثنى من أكره، و لم يرد من قال و
اعتقد لأنه استثنى المكره و هو لا يكره على العقد و القول و إنما يكره على القول
فقط فعلم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله و له عذاب عظيم و أنه
كافر بذلك إلا من أكره و هو مطمئن بالإيمان و لكن من شرح بالكفر صدرا من المكرهين
فإنه كافر أيضا فصار من تكلم بالكفر كافرا إلا من أمره فقال بلسانه كلمة الكفر و
قلبه مطمئن بالإيمان و قال تعالى في حق المستهزئين : ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد
إيمانكم﴾ [ التوبة : 66 ]
فبين أنهم كفار بالقول مع أنهم لم
يعتقدوا صحته. و هذا باب واسع، والفقه فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب
يمنع إرادة التكلم و إرادة فعل فيه استهانة و استخفاف، كما أنه يوجب المحبة و
التعظيم. واقتضاؤه وجود هذا و عدم هذا أمر جرت به سنة الله في مخلوقاته كاقتضاء
إدراك الموافق للذة و إدراك المخالف للألم فإذا عدم المعلول كان مستلزما لعدم
العلة و إذا وجد الضد كان مستلزما لعدم الضد الآخر. فالكلام و الفعل المتضمن
للاستخلاف و الاستهانة مستلزم لعدم التصديق النافع و لعدم الانقياد و الاستسلام
فلذلك كان كفرا . ("الصارم المسلول"/ص 523).
وقال ابن حزم رحمه الله: من أظهر الكفر
لا قارياً ولا شاهداً ولا حاكياً ولا مكرهاً على وجوب الكفر له بإجماع الأمة على
الحكم له بحكم الكفر وبحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وبنص القرآن على من
قال كلمة الكفر أنه كافر. وليس قول الله عز وجل: ﴿ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ على
ما ظنوه من اعتقاد الكفر فقط بل كان من نطق بالكلام الذي يحكم لقائل عند أهل
الإسلام بحكم الكفر لا قارياً ولا شاهداً ولا حاكياً ولا مكرهاً فقد شرح بالكفر
صدراً بمعنى أنه أن يقولوه وسواء اعتقده أو لم يعتقده لأن هذا العمل من إعلان
الكفر على غير الوجوه المباحة في إيراده وهو شرح الصدر به. ("الفصل في الملل والأهواء
والنحل"/1 /ص364).
وقال القاضي عياض رحمه الله في شرح حديث: «وَإِنَّ
الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً
يَهْوِى بِهَا فِى جَهَنَّمَ»([26]): يحتمل أن
تكون تلك الكلمة من الخنا والرفث وان تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة أو بمجون أو
استخفاف بحق النبوة والشريعة وإن لم يعتقد ذلك. ("فتح الباري"/لابن حجر/11 /ص311).
وقال ابن نجيم رحمه الله: عبادة الصنم كفر، ولا
اعتبار بما في قلبه. ("الأشباه
والنظائر"/ص 215).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحه على حديث
مروق الخوارج من الإسلام: فيه الرد على قول من قال: (لا يخرج أحد من الإسلام من
أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما) فإنه مبطل لقوله
في الحديث: «يقولون الحق ويقرءون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون
منه بشيء» ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا
بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه. ("فتح الباري"/12/ص300).
وقال رحمه الله: وفيه أن من المسلمين من يخرج من
الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام. ("فتح الباري"/12/ص301-302).
وقال كمال الدين ابن عبد الواحد ابن الهمام الحنفيّ:
ومن هزل بلفظِ كفرٍ ارتدَّ وإِنْ لم يعتقده للاستخفاف فهو ككفر العناد ، والألفاظ
التي يكفر بها تعرف في الفتاوى. ("فتح القدير"/6/ص91/كما في "الاقتصاد في أن
الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد"/ص 63-64).
وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله معلقا
على كلام للقاضي عياض في عدم اشتراط القصد في المكفرات في المسائل الواضحة: وما
ذكره ظاهر موافق لقواعد مذهبنا (الشافعية) إذ المدار في الحكم بالكفر على الظواهر
ولا نظر للمقصود والنيات. ("الأعلام بقواطع
الإسلام" للهيتمي/ص65/نقله الشيخ أبو
العلا راشد آل راشد حفظه الله في "ضوابط تكفير
المعين"/ص87/مكتبة الرشد).
وقال صدر الدين القونوي الحنفي رحمه
الله: ولو تلفظ بكلمة الكفر طائعا غير معتقد له يكفر. ("شرح الفقه الأكبر"/ص421/كما نقله الشيخ أبو العلا راشد في "ضوابط تكفير المعين"/ص90-91).
وقال ملا علي مسكين الحنفي رحمه الله:
من هزل بلفظ كفر ارتد وإن لم يعتقد فهو ككفر العناد. ("فتح المعين"/2/ص458/ كما نقله
الشيخ أبو العلا راشد في "ضوابط تكفير
المعين"/ص91).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي
رحمه الله: فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب؟ وهو: "باب حكم
المرتد"، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، حتى ذكروا فيه أنواعا كثيرة، كل
نوع منها يكفّر الإنسان، ويحل دمه وماله؛حتى ذكروا أشياء يسيرة مثل كلمة يذكرها
بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.
والذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ
بِالله مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ الآية، أسمعت الله
كفّرهم بكلمة؟ مع كونهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يجاهدون معه، ويصلون
ويزكون، ويصومون ويحجون، ويوحدون الله سبحانه، وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿أَبِالله
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ الآية؛ قالوا كلمة على وجه
المزح واللعب، فصرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم في غزوة تبوك. ("الدرر السنية
في الكتب النجدية"/13/ص102).
وقال الإمام الصنعاني رحمه الله: قد صرح
الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد
معناها. ("تطهير الاعتقاد
من أدران الإلحاد"/ص 23).
وقال العلامة محمد أنور شاه الكشميري رحمه
الله في كتاب "إكفار الملحدين" نقلاً عن "شرح
الشفا" للخفاجي موافقاً له: ولهذا -أي للقولِ بكفر من خالف ظاهرَ النُّصوص
والمجمعَ عليه- نُكفِّر من لم يُكفِّر من دانَ بغير ملَّة الإسلام من المِلَل، أو
وقف فيهم -أي توقَّف وتردَّد في تكفيرِهم -، أو شكَّ في كفرهم ، أو صحَّح مذهبهم ،
وإنْ أظهر الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كلّ مذهبٍ سواه ، فهو - أي من لم يكفر وما
بعده - كافرٌ ، بإظهار ما أظهر من خلافِ ذلك - أي ما يخالف الإسلام ، لأنَّه طعنٌ
في الدِّين ، وتكذيبٌ لما ورد عنه من خلافِه - وكذلك - أي كتكفير هؤلاء - يُقطع
ويُجزَم بتكفير كلِّ من قال قولاً صدر عنه يتوسَّل به إلى تضليل الأمَّة - أي
كونها في الضَّلال عن الدين والصِّراط المستقيم . ويؤدِّي إلى تكفير جميع
الصَّحابة ، كقول الطائفة الكميلية من الرَّافضة بتكفير جميع الأمَّة بعد موت
النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذ لم تقدِّم عَلِيَّاً ، وكفَّرت علِيَّاً إذْ لم
يتقدَّم ولم يطلب حقَّه في التَّقديم ، فهؤلاء قد كفروا من وجوهٍ : لأنَّهم بما
قالوه أبطلوا الشريعة بأسرِها ، وكذلك - أي كما كفَّرْنا هؤلاء - نكفِّر بكلّ فعلٍ
فعله شخصٌ مسلمٌ ، أجمع المسلمون على أنَّه - أي ذلك الفعل - لا يصدر إلاَّ من
كافرٍ حقيقةً ، لأَنَّه من جنس أفعالهم ، وإنْ كان صاحبه - أي مَنْ صدَرَ منه -
مسلماً مصرِّحاً بالإسلام مع فعلِه ذلك الفعل. "شرح الشفاء للخفاجي"
ملتقطاً ملخصاً ومثله في " شرح الملاَّ عليّ القاري" سواء.
وقال رحمه الله: والحاصل أنَّ من تكلَّم
بكلمة الكفرِ هازلاً أو لاعباً كفر عند الكلِّ ولا اعتبارَ باعتقاده ، كما
صرَّح به في "الخانيَّه" و"ردِّ المحتار".
(انتهى
النقلان من "الاقتصاد في أن
الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد"/ص102-103/لعلوي بن عبد القادر السقاف).
وقد سئل فضيلة المفتي محمد بن إبراهيم
آل الشيخ رحمه الله : بعضهم يقول : إن كان مراده كذا فهو يكفر ؟
فأجاب رحمه الله : - مراد هؤلاء أنه لا
يكفر إلا المعاند فقط ، وهذا من أعظم الغلط ؛ فان أقسام المرتدين معروفة منهم من
ردته عناد، وبعضهم لا . وفي القرآن يقول : ﴿ويحسبون أنهم مهتدون﴾
حسبانهم
أنهم على شيء لا ينفعهم . وبعضهم يقول : إن كان مرادهم كذا . وهذه شبهة ، كالشبهة
الأخرى وهو عدم تكفير المنتسب إلى الإسلام ، وتلك شبهة عدم تكفير المعين ، وصريح
الكتاب والسنه يرد هذا . ("فتاوى ورسائل
محمد بن إبراهيم آل الشيخ"/12/ص174).
هذه النقولات رد جلي على من قال: (لا
يحكم الشخص بالردة بقوله الكفري أو فعله الكفري إلا إن قصد به كفرا).
فمن اقتصر الكفر على نوع واحد –وهو كفر من قصد الكفر- فقد قصّر في المعرفة
والحكم. بل الكفر أنواع، بينه الإمام ابن القيم رحمه الله.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في "مفتاح دار السعادة": وقد بين القرآن أن الكفر
أقسام أحدها: كفر صادر عن جهل، وضلال، وتقليد الأسلاف، وهو كفر أكثر الأتباع
والعوام. الثاني: كفر جحود وعناد وقصد مخالفة الحق، ككفر من تقدم ذكره. وغالب ما
يقع هذا النوع فيمن له رياسة علمية في قومه من الكفار، أو رياسة سلطانية، أو من له
مأكل وأموال في قومه، فيخاف هذا على رياسته، وهذا على ماله ومأكله، فيؤثر الكفر
على الإيمان عمدا. الثالث: كفر إعراض محض لا ينظر فيما جاء به الرسول، ولا يحبه،
ولا يبغضه، ولا يواليه، ولا يعاديه، بل هو معرض عن متابعته ومعاداته. ("مفتاح دار السعادة"/1 /ص94).
الشبهة الرابعة: أنتم
الوهابيون، تكفرون المسلمين!
الجواب من وجهين:
الأول: اعلم أن أهل السنة لا ينتسبون إلى أحد غير رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فلسنا وهابية، ولسنا ننتسب إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب
النجدي السلفي رحمه الله، ولا إلى غيره ممن ليس بمعصوم. ولكن كل من كان على الصراط
المستقيم الذي سلك عليه النبيون والصديقون والشهداء والصالحون فكان حقا علينا
موالاتهم. وهذا من التنابز بالألقاب الذي حذر الله منه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا
بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ
فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ [الحجرات: 11]
قال ابن العربي رحمه الله: النَّبْزُ هُوَ اللَّقَبُ
فَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، أَيْ لَا تَدَاعَوْا
بِالْأَلْقَابِ. وَاللَّقَبُ هُنَا اسْمٌ مَكْرُوهٌ عِنْدَ السَّامِعِ. ("أحكام القرآن"/
لابن العربي /4/ص117/المكتبة العصرية).
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: وقوله: ﴿وَلا تَنَابَزُوا
بِالألْقَابِ﴾ أي: لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها. ("تفسير القرآن العظيم"/7/ص381/دار الحديث).
وقال الإمام
ابن العربي رحمه الله: قَوْلُهُ : ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾
يَعْنِي أَنَّك إذَا ذَكَرْت صَاحِبَك بِمَا يَكْرَهُ فَقَدْ آذَيْته ؛
وَإِذَايَةُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ . ("أحكام القرآن"/لابن العربي/4 /ص118/المكتبة العصرية).
وقال الإمام
ابن كثير رحمه الله: وقوله: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾
أي: بئس الصفة والاسم الفسوق وهو: التنابز بالألقاب، كما كان أهل الجاهلية
يتناعتون، بعدما دخلتم في الإسلام وعقلتموه، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي: من
هذا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ("تفسير القرآن العظيم"/7/ص381/دار الحديث).
وذلك من الظلم،
وقد قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ
ظُلْمًا﴾ [طه: 111]
ولا نكفّر أحدا قد شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول
الله، إلا إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام، وقد قامت عليه الحجة. ونرجع إلى الأدلة
الواضحة مع تنصيص العلماء. والإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي السلفي رحمه الله لا
يتساهل في التكفير.
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب،
إلى من يصل إليه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: ما ذكر لكم عني: أني
أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم: إني أقول من تبع دين الله
ورسوله، وهو ساكن في بلده، أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضا من البهتان؛
إنما المراد اتباع دين الله ورسوله، في أي أرض كانت.
ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله، ثم عاداه وصد الناس عنه،
وكذلك من عبد الأوثان، بعدما عرف أنها دين المشركين، وزينه للناس، فهذا الذي
أكفره؛ وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء، إلا رجل معاند، أو جاهل؛ والله أعلم،
والسلام. ("الدرر السنية
في الكتب النجدية"/13/ص128).
وقال رحمه الله: ونحن نعلم أنه يأتيكم أعداء لنا، يكذبون
علينا عندكم، ويرموننا عندكم بالعظائم، حتى يقولوا: إنهم يسبون النبي صلى الله
عليه وسلم ويكفرون الناس بالعموم ؛ وإنا نقول : إن الناس من نحو ستمائة سنة ليسوا
على شيء، وأنهم كفار، وإن من لم يهاجر إلينا فهو كافر ؛ وأضعاف أضعاف ذلك من
الزور، الذي يعلم العاقل أنه من الظلم، والعدوان، والبهتان.
ولكن: لنا في رسول الله أسوة، فإن أعداءه قالوا :إنه يشتم
عيسى وأمه، وسموه بالصابئي، والساحر، والمجنون ؛ ونحن : لا نكفر إلا من عرف
التوحيد وسبه، وسماه دين الخوارج، وعرف الشرك وأحبه، وأحب أهله، ودعا إليه، وحض
الناس عليه بعدما قامت عليه الحجة، وإن لم يفعل الشرك، أو فعل الشرك، وسماه التوسل
بالصالحين، بعدما عرف : أن الله حرمه، أو كره بعض ما أنزل الله، كما قال تعالى : ﴿ذلك
بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾ [محمد:9] أو استهزأ بالدين، أو
القرآن، كما قال تعالى : ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد
كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة:65-66] قال العلماء في هذه الآية : الاستهزاء
بالله كفر مستقل بالإجماع، والاستهزاء بالرسول كفر مستقل بالإجماع .
وهذه الأنواع، التي ذكرنا أننا نكفر من فعلها : قد أجمع
العلماء كلهم، من جميع أهل المذاهب، على كفر من فعلها ؛ وهذه كتب أهل العلم، من
أهل المذاهب الأربعة، وغيرهم، موجودة ولله الحمد والمنة. ("الدرر السنية في الكتب
النجدية"/1/ص249-250).
وقال رحمه الله: نحن بحمد الله، لا نكفر أحداً من أهل القبلة
بذنب، وإنما نكفر لهم، بما نص الله، ورسوله، وأجمع عليه علماء الأمة المحمدية،
الذين هم لسان صدق في الأمة : أنه كفر ؛ كالشرك في عبادة الله غيره، من دعاء ونذر
وذبح، وكبغض الدين وأهله، والاستهزاء به، وأما :الذنوب، كالزنا، والسرقة، وقتل
النفس، وشرب الخمر، والظلم ونحو ذلك، فلا نكفر من فعله، إذا كان مؤمنا بالله
ورسوله ؛ إلا إن فعله مستحلاً له، فما كان من ذلك فيه حد شرعي، أقمناه على من
فعله، وإلا عزرنا الفاعل بما يردعه وأمثاله عن ارتكاب المحرمات .
وقد جرت المعاصي، والكبائر، في زمن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصحابه، ولم يكفروا بها، وهذا : مما رد به أهل السنة والجماعة، على الخوارج،
الذين يكفّرون بالذنوب، وعلى المعتزلة، الذين يحكمون بتخليده في النار، وإن لم
يسموه كافراً، ويقولون : ننزله منزلة، بين المنزلين، فلا نسميه كافراً، ولا
مؤمناً، بل فاسقاً ؛ وينكرون : شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة،
ويقولون : لا يخرج من النار أحد دخلها، بشفاعة، ولا غيرها .
ونحن : نحمد الله ، برءاء من هذين المذهبين، مذهب الخوارج،
والمعتزلة ؛ ونثبت شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء،
والصالحين، ولكنها لا تكون إلا لأهل التوحيد خاصة، ولا تكون إلا بإذن الله، كما
قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [ الأنبياء : 28 ] وقال: ﴿من ذا
الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [ البقرة : 255] فذكر في الشفاعة شرطين، أحدهما :
أنها لا تكون إلا بعد الإذن من الله للشافع، لا كما يظنه المشركون، الذين يسألونها
من غير الله، في الدنيا. ("الدرر السنية
في الكتب النجدية"/1 /ص293-295).
وقال الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله: وأما
إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة، يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان، من كتاب الله
وسنة نبيه، وقد رأى كفرا بواحا، كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به
تعالى أو بآياته أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق،
أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله، ونحو ذلك، فالمكفر بهذا وأمثاله، مصيب مأجور،
مطيع لله ورسوله.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ
رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى
الله وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [سورة النحل آية:36]، فمن
لم يكن من أهل عبادة الله تعالى وإثبات صفات كماله ونعوت جلاله، مؤمنا بما جاءت به
رسله، مجتنبا لكل طاغوت يدعو إلى خلاف ما جاءت به الرسل، فهو ممن حقت عليه
الضلالة، وليس ممن هدى الله للإيمان به، وبما جاءت به الرسل عنه.
والتكفير بترك هذه الأصول
وعدم الإيمان بها، من أعظم دعائم الدين؛ يعرفه كل من كانت له نهمة، في معرفة دين الإسلام.
("الدرر السنية في الكتب
النجدية"/17/ص268).
قلت –وفقني الله-: إن الرافضة يعتقدون وجود النبوة بعد
نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بلغتهم الحجة، فكيف لا نكفرهم؟ أهذا دين
المسلمين؟!
وكذلك هم يردون كثيرا من السنة الثابتة
بدون أي قدرة على نقضها، فكيف لا نكفرهم بذلك؟ قال ابن حزم رحمه الله: ومن قال
بنبي بعد النبي عليه الصلاة والسلام أو جحد شيئاً صح عنده بأن النبي صلى الله عليه
وسلم قال فهو كافر لأنه لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينه وبين
خصمه. ("الفصل في الملل
والأهواء والنحل"/1/ص389).
فهل بعد هذا يقال إنهم مسلمون؟ وهل يقال
إنا نكفر المسلمين؟!
بل وجدنا كثيرا من خصوم أهل السنة يتسرعون في تكفير مخالفيهم
بغير حجة شرعية، من أجل الهوى والجهل وشدة الغيظ. قال الإمام عبد اللطيف آل الشيخ
رحمه الله: وقد يصدر التكفير لصلحاء الأمة، من أعداء الله ورسوله، أهل الإشراك به
والإلحاد في أسمائه؛ فهؤلاء يكفرون المؤمنين بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد،
ويعيبون أهل الإسلام، ويذمونهم على إخلاص الدين، وتجريد المتابعة لرسول الله صلى
الله عليه وسلم؛ بل قد يقاتلونهم على ذلك، ويستحلون دماءهم وأموالهم، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ
يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [سورة
البروج آية: 10].
فمن كفّر المسلمين أهل
التوحيد، أو فتنهم بالقتال أو التعذيب، فهو من شر أصناف الكفار، ومن ﴿الَّذِينَ
بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ
يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [سورة إبراهيم آية: 28-29.]. وفي الحديث: «من
قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما».
وأما من أطلق لسانه بالتكفير، لمجرد عداوة، أو هوى، أو
لمخالفة في المذهب، كما يقع لكثير من الجهال، فهذا من الخطأ البين. ("الدرر السنية في الكتب
النجدية"/17/ص269).
الشبهة الخامسة: إن كثيرا
ممن التحق بالروافض فإنما التحق بهم من أجل الحظوظ الدنيوية لا الاعتقادية، فلا
يجوز تكفيرهم.
الجواب:
قد ثبت كفر
الرافضة وردتهم عن الإسلام. فمن انحاز إليهم فيكون معهم في حربهم للمسلمين فإنه
منهم ويحكم بالردة لاختياره ذلك، سواء كان من أجل الدنيا أو الدين. قال الله
تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله
لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ [المائدة/51].
قال الإمام ابن
القيم رحمه الله: وقَطَع الموالاة بين اليهود والنصارى وبين المؤمنين، وأخبر أنه
من تولاهم فإنه منهم في حكمه المبين –ثم ذكر هذه
الآية-، وأخبر عن حال متوليهم بما في قلبه من المرض المؤدي إلى فساد العقل
والدين، فقال: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا
دَائِرَةٌ فَعَسَى الله أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ
فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِين﴾ [المائدة/52].
ثم أخبر عن حبوط أعمال متوليهم ليكون المؤمن لذلك من الحذرين، فقال تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا
بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ
فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾. ("أحكام أهل الذمة"/1/ص 487-488).
هذا حكم من يتولى أهل الكتاب، فكيف بمن يتولى الروافض وهم أغلظ
كفرا من اليهود والنصارى؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله: وكفر الردة أغلظ بالإجماع من
الكفر الأصلي. ("مجموع الفتاوى"/28/ص 478).
ومما يدل على أن الشخص قد يكفر من أجل
الأغراض الدنيوية مع بقاء العلم والتصديق: قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِالله
مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ
بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ
الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ
الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ الله لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
[النحل: 106، 107].
قال شيخ الإسلام رحمه الله: فقد ذكر
تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه وذكر وعيده في الآخرة، ثم قال : ﴿ذَلِكَ
بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ ﴾ وبين
تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا . ومعلوم أن باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس
هو من باب الحب والبغض، وهؤلاء يقولون : إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق
والإيمان من قلوبهم، وإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة، والله سبحانه
وتعالى جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران واستحباب الدنيا
على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة، وبأنه ماله في
الآخرة من خلاق .
وأيضًا، فإنه سبحانه استثنى المكره من
الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منه المكره، لأن
الإكراه على ذلك ممتنع، فعلم أن التكلم بالكفر كفر لا في حال الإكراه .
وقوله
تعالى : ﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ أي : لاستحبابه الدنيا
على الآخرة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : «يصبح الرجل مؤمنًا ويمسى
كافرًا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرًا، يبيع دِينَهُ بعَرَضٍ من الدنيا»([27])، والآية نزلت
في عمار بن ياسر، وبلال بن رباح، وأمثالهما من المؤمنين المستضعفين لما أكرههم
المشركون على سب النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من كلمات الكفر، فمنهم من
أجاب بلسانه كعَمَّار، ومنهم من صبر على المحنة كبلال، ولم يكره أحد منهم على خلاف
ما في قلبه، بل أكرهوا على التكلم، فمن تكلم بدون الإكراه، لم يتكلم إلا وصدره
منشرح به.
وأيضًا، فقد جاء نفر من اليهود إلى
النبي، فقالوا : نشهد إنك لرسول، ولم يكونوا مسلمين بذلك؛ لأنهم قالوا ذلك على
سبيل الإخبار عما في أنفسهم، أي نعلم ونجزم أنك رسول الله، قال : «فلم لا
تتبعوني؟» قالوا: نخاف من يهود. فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس بإيمان حتى
يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، مع تضمن ذلك الإخبار
عما في أنفسهم .
فالمنافقون قالوا مخبرين كاذبين، فكانوا
كفارًا في الباطن، وهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين، فكانوا كفارًا في
الظاهر والباطن، وكذلك أبو طالب قد استفاض عنه أنه كان يعلم بنبوة محمد وأنشد عنه
:
ولقد
علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينًا
لكن امتنع من الإقرار
بالتوحيد والنبوة حبًا لدين سلفه، وكراهة أن يعيره قومه، فلما لم يقترن بعلمه
الباطن الحب والانقياد الذي يمنع ما يضاد ذلك من حب الباطل وكراهة الحق لم يكن
مؤمنًا . وأما إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، فما قام بأنفسهم من الكفر وإرادة
العلو والحسد منع من حب الله، وعبادة القلب له الذي لا يتم الإيمان إلا به، وصار
في القلب من كراهية رضوان الله واتباع ما أسخطه ما كان كفرًا لا ينفع معه العلم .
("مجموع الفتاوى"/7 /ص560-562).
ودليل آخر يدل على أن إرادة الدنيا قد تسبب
الردة: قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ
آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ
الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى
الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ
عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ
كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ
مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا
يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 175 - 177].
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فهذه
آفة العلماء إذا آثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات وهذه الآيات فيهم إلى
قوله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من
الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن
تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ فهذا مثل عالم السوء الذي يعمل بخلاف علمه.
وتأمل ما تضمنته هذه الآية من ذمة وذلك
من وجوه أحدها: أنه ضلّ بعد العلم واختار الكفر على الإيمان عمدا ولا جهلا.
وثانيها: أنه فارق الإيمان مفارقة من لا يعود إليه أبدا، فإنه انسلخ من الآيات
بالجملة كما تنسلخ الحية من قشرها. ولو بقي معه منها شيء لم ينسلخ منها. وثالثها:
أن الشيطان أدركه ولحقه بحيث ظفر به وافترسه ولهذا قال: ﴿فأتبعه الشيطان﴾
ولم يقل تبعه فإن في معنى اتبعه أدركه ولحقه وهو أبلغ من تبعه لفظا ومعنى. ورابعها:
أنه غوى بعد الرشد. والغي الضلال في العلم والقصد وهو أخص بفساد القصد والعمل كما
أن الضلال أخص فساد العلم والاعتقاد. فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، وإن اقترنا
فالفرق ما ذكر. وخامسها: أنه سبحانه لم يشأ أن يرفعه بالعلم، فكان سبب هلاكه لأنه
لم رفع به فصار وبالا عليه فلو لم يكن عالما كان خيرا له وأخف لعذابه. وسادسها: أنه
سبحانه أخبر عن خسة همته، وأنه اختار الأسفل الأدنى على الأشرف الأعلى. وسابعها:
أن اختياره للأدنى لم يكن عن خاطر وحديث نفس ولكنه كان عن إخلاد إلى الأرض وميل
بكليته إلى ما هناك. وأصل الإخلاد: اللزوم على الدوام كأنه قيل لزم الميل إلى الأرض
ومن هذا يقال: أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به قال مالك بن نويرة:
بأبناء حي من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع
أقاموا فأخلدوا
وعبر عن ميله إلى الدنيا بإخلاده إلى الأرض لأن
الدنيا هي الأرض وما فيها وما يستخرج منها من الزينة والمتاع. وثامنها: أنه رغب عن
هداه واتبع هواه، فجعل هواه أماما له يقتدي به ويتبعه. وتاسعها: أنه شبهه بالكلب
الذي هو أخس الحيوانات همه وأسقطها نفسا وأبخلها وأشدها كلبا، ولهذا سمي كلبا.
وعاشرها: أنه شبه لهثه على الدنيا وعدم صبره عنها وجزعه لفقدها وحرصه على تحصيلها
بلهث الكلب في حالتي تركه، والحمل عليه بالطرد وهكذا هذا إن ترك فهو لهثان على
الدنيا، وإن وعظ وزجر فهو كذلك. فاللهث لا يفارقه في كل حال كلهث الكلب. قال ابن
قتيبة: كل شيء يلهث فإنما يلهث من أعياء أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال
الكلال، وحال الراحة، وحال الري، وحال العطش، فضربه الله مثلا لهذا الكافر فقال: إن
وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث،
وهذا التمثيل لم يقع بكل كلب، وإنما وقع بالكلب اللاهث، وذلك أخس ما يكون وأشنعه. فهذا
حال العالم المؤثر الدنيا علي الآخرة.
(انتهى
النقل من "الفوائد"/ص 101-102).
وفي هذه الآية رد على الجهمية الذين قالوا ببقاء الإيمان
بمجرد وجود المعرفة.
الشبهة السادسة: أنه لا
يكفَّر إلا من قد تبين له الإيمان والكفر فاختار الكفر عمدا وعلما بأنه كفر!
الجواب:
لا شك أن من علم أن قوله أو فعله أو معتقده كفر فاختاره فإنه
كافر، ولكن ليس بمعنى أن من بلغته الحجة وفهمها ثم عاندها وأصرّ على أنه قول بأنه على
الحق وأن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم على الباطل فإنه لا يكفَّر، بل يكفر
بذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ
مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ
مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].
قال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله:
يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ومن يشاقق
الرسول﴾، ومن يباين الرسولَ محمدًا
صلى الله عليه وسلم، معاديًا له، فيفارقه على العداوة له ﴿من بعد ما تبين له الهدى﴾، يعني: من بعد ما تبين له أنه رسول
الله، وأن ما جاء به من عند الله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾، يقول: ويتبع طريقًا غير طريق أهل
التصديق، ويسلك منهاجًا غير منهاجهم، وذلك هو الكفر بالله، لأن الكفر بالله ورسوله
غير سبيل المؤمنين وغير منهاجهم، ... إلخ. ("جامع البيان"/9 /ص204-205).
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: وقوله:
﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾ أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء
بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عَمْد منه
بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له، ...إلخ. ("تفسير القرآن العظيم"/2 /ص412).
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾
المشاققة : المعاداة والمخالفة . وتبين الهدى ظهوره ، بأن يعلم صحة الرسالة
بالبراهين الدالة على ذلك ، ثم يفعل المشاققة، ... إلخ. ("فتح القدير"/2 /ص214).
هذه الأقوال تدل على مشروعية إقامة
الحجة قبل الحكم بالكفر للمعيَّن، ولكن ليس فيها أن يشترط معرفة الفاعل أن فعله
كفر فاختار هذا الكفر. وقد مر بنا البيان على أن كثيرا من أعداء الرسل عليهم
السلام يعتقدون أنهم على الحق والهدى وأن الرسل عليهم السلام على الباطل والضلال،
ولم يمنع ذلك من الحكم على هؤلاء أعداء الرسل بالكفر.
فالمعتبر هو بلوغ الحجة وهي الكتاب
والسنة. قال الإمام السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: أي: ومن يخالف الرسول
صلى الله عليه وسلم ويعانده فيما جاء به ﴿من
بعد ما تبين له الهدى﴾ بالدلائل
القرآنية والبراهين النبوية. ("تيسير الكريم
الرحمن"/للسعدي /ص 202).
وسئل الإمام ابن باز رحمه الله: عن الرافضة في العذر بالجهل؟
فأجاب: من
دعا غير الله واستغاث بغير الله كافر مطلقاً لأنهم بين المسلمين، وقد بلغهم
القرآن وبلغتهم السنة، الله جعل القرآن نذارة وبلاغ: ﴿هَذَا بَلاغٌ
لِلنَّاسِ﴾ (إبراهيم: 52)، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ
لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: 19). فمن كفر مع وجوده بين
المسلمين واستغاث بغير الله أو عبد البدوي أو غيره، سواء من الرافضة له حكم الكفر،
نسأل الله العافية. ("شرح كتاب فضل الإسلام"/للإمام ابن باز /ص 30).
وقد سمعت مقطعا صوتيا أن فضيلة الشيخ
صالح الفوزان حفظه الله سئل عن حكم عوام الرافضة فقال: الرافضة حكمهم واحد، كلهم
يسمعون القرآن، بل يحفظون القرآن، بلغتهم الحجة، قامت عليهم الحجة. اتركونا
من هذه الفلسفات، وهذا الإرجاء الذي انتشر في بعض الشباب والمتعالمين. من بلغه
القرآن فقد قامت عليه الحجة اهـ.
فالكفر أنواع: كفر العناد، وهو أن الرجل
قد بلغته الحجة ثم فهمها فعاندها. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ومن تبين له ما
جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل
المؤمنين، فهو كافر. ("مجموع الفتاوى"/12/ص180).
وقال الإمام عبد اللطيف آل الشيخ رحمه
الله: والشأن كل الشأن في فهم خطابه وما دل عليه، وما
انطوى عليه من الأحكام والدلالات، ليس المعنى ما زعمه هذا من أنه لا يكفر أحد حتى
يتبين له الإيمان ويختار الكفر، بل المراد عند أهل العلم بالتأويل أن من تبين له
ما جاء به الرسول من الحجة والبيان، ثم عاند وأصر وشاق الرسول، ولو ظنَّ إصابة
نفسه، كالخوارج، متوعد بهذا الوعيد العظيم في هذه الآيات الكريمات، وليس المراد
أنه لا يكفر إلا هذا الصنف من الناس، وقد تقدم من الآيات الدالة على تكفير من زين
له سوء عمله فراه حسنًا، ومن ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه محسن.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾
[الزخرف: 36] الآية [الزخرف / 36] .
وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله
تعالى وغيره حال المقلدين لرؤساء الكفر من عامتهم وضعفائهم وجزموا بكفرهم، كما
دلَّت عليه الآيات المحكمات. قال تعالى: ﴿وَلَوْ
تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ
إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾
[سبأ: 31] الآيات.
وكذلك آية الحجر وغيرها من الآيات
الدالة على تكفير الأتباع على ما هم فيه من الكفريات والضلالات. وتقدم أن أكثر
النصارى وجمهورهم والمجوس ونحوهم لم يتبين لهم كفرهم؛ لكن تبين لهم أن محمدًا صلى
الله عليه وسلم جاء بخلافه؛ وأنه كفَّرهم واستباح دماءهم وأموالهم وذراريهم.
(انتهى
من "مصباح الظلام في الرد على
من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام"/3/ 568-569).
ومن الكفر أيضا كفر الإعراض، وهو أن
الرجل جاءته الحجة فأعرض عن معرفتها فبقي في الجهل فلا يعذر له. فمن بلغه القرآن
فقد قامت عليه الحجة، سواء فهمها ثم عاندها أو أعرض عن فهمها فبقي في الجهل. قال
الإمام ابن القيم رحمه الله: إن الله سبحانه قد أقام الحجة على خلقه بكتابه ورسله
فقال: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾ ]الفرقان:1 [، وقال: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ ]الأنعام:19 [. فكل من بلغه هذا
القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة الله به. ("الصواعق المرسلة"/2 /ص735).
وقال فضيلة الشيخ المفتي محمد بن
إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: ولا فرق بين من يكون كفره عنادا، أو جهلا، الكفر: منه
عناد ومنه جهل. وليس من شرط قيام الحجة على الكافر أن يفهمها، بل من أقيمت عليه
الحجة مثل ما يفهمها مثله، فهو كافر، سواءً فهمها أم لم يفهمها. ولو كان فهمها
شرطا لما كان الكفر إلا قسما واحدا، وهو كفر الجحود بل الكفر أنواع منه الجهل
وغيره. ("شرح كشف الشبهات"/ص101/كما في "ضوابط التكفير
المعين"/ص59).
وقال الإمام المفتي عبد الله بن عبد
الرحمن أبو بطين رحمه الله: فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبلغه
القرآن، فقد قامت عليه الحجة، فلا يعذر في عدم الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه،
ورسله، واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل.
وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من
الكفار، مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل، مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم،
ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، فنعتقد كفرهم، وكفر من شك في
كفرهم.
وقد دل القرآن على أن الشك في أصول
الدين كفر؛ والشك هو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول صلى الله
عليه وسلم ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك، كالذي لا
يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم تحريمه؛ وهذا
كفر بإجماع العلماء، ولا عذر لمن كان حاله هكذا، بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته، لأنه
لا عذر له بعد بلوغها، وإن لم يفهمها.
وقد أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لم
يفهموا، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾، وقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ
أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الله وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾؛ فبين الله
سبحانه: أنهم لم يفقهوا، فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل صرح القرآن بكفر هذا
الجنس من الكفار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ
أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ
رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ الآية.
-إلى
قوله:-
فإنا نعلم قطعا: أن النبي صلى الله عليه
وسلم أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم، وقاتل جميعهم،
وقتل البالغ منهم، ونعلم: أن المعاند العارف مما يقل، وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا
دين آبائهم تقليدا، ولم يعرفوا معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه.
والآيات الدالة في القرآن على هذا
كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ
كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ
بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿وَإِنْ هُمْ
إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ، وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾، ﴿وَيَحْسَبُونَ
أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾؛ وفي الجملة: ذم المكذبين لرسول الله صلى الله
عليه وسلم مما لا ينحصر في الكتاب والسنة، انتهى.
فبين رحمه الله: أنا لو لم نكفر إلا
المعاند العارف، لزمنا الحكم بإسلام أكثر اليهود والنصارى، وهذا من أظهر الباطل؛
فقول الشيخ تقي الدين رحمه الله: (إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة)، يدل
من كلامه على أن هذين الأمرين، وهما: التكفير، والقتل، ليسا موقوفين على فهم
الحجة مطلقا، بل على بلوغها، ففهمها شيء، وبلوغها شيء آخر. فلو كان هذا الحكم
موقوفا على فهم الحجة، لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة، وهذا بين
البطلان؛ بل آخر كلامه رحمه الله، يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي
تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة، كالجهل ببعض
الصفات.
وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد،
والإيمان بالرسالة، فقد صرح رحمه الله في مواضع كثيرة بكفر أصحابها، وقتلهم بعد
الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل، مع أنا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور، إنما هو
الجهل بحقيقتها؛ فلو علموا أنها كفر تخرج من الإسلام، لم يفعلوها. انتهى المراد.
(انتهى
النقل من "الدرر السنية
في الكتب النجدية"/13 /ص365-368).
الخلاصة: ليس من شروط
التكفير: أن يعرف الرجل بأن فعله كفر فاختار ذلك الكفر.
الشبهات السابعة: أنتم
الوهابية، تكفّرون العوام، ولا تعذرون بالجهل!
الجواب:
لسنا وهابية، لا يرضى الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه
الله أن ينسب إليه مذهب خاص أو فكرة خاصة، بل هو سني سلفي متبع للكتاب والسنة على
فهم سلف الأمة، ولكن أعداء التوحيد والسنة يبثون الدعايات ويلقبون أهل السنة
بألقاب منفرة.
ثم إنا نعتقد العذر بالجهل، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقال
سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الله
لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ
إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[التوبة: 115].
وعوام الرافضة قد بلغتهم الحجة، فانقطع عنهم العذر. وقد مر
بنا كلام الإمام ابن باز رحمه الله وفضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في هذا.
وأحكام الجهال فيها تفصيل.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الطبقة
السابعة عشرة: طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبعاً
لهم يقولون: إنا وجدنا آباءَنا على أُمة، ولنا أُسوة بهم. ومع هذا فهم متاركون
لأهل الإسلام غير محاربين لهم، كنساءِ المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا
أنفسهم لنا نصب له أُولئك أنفسهم من السعي في إطفاءِ نور الله وهدم دينه وإخماد
كلماته، بل هم بمنزلة الدواب.
وقد اتفقت الأُمة على أن هذه الطبقة
كفار وإن كانوا جهالاً مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه
لم يحكم لهؤلاءِ بالنار وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به
أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض
أهل الكلام المحدث في الإسلام.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: «ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو
يمجسانه»([28])، فأخبر أن
أبويه ينقلانه عن الفطرة إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية، ولم يعتبر في ذلك غير
المربى والمنشإِ على ما عليه الأبوان.
وصح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: «إن
الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة»([29])، وهذا المقلد
ليس بمسلم، وهو عاقل مكلف، والعاقل المكلف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر. وأما من
لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف في تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال والمجانين.
وقد تقدم الكلام عليهم. والإسلام هو
توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاءَ
به، فما لم يأْت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل.
فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم
كفاراً فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً وإما جهلاً وتقليداً
لأهل العناد.
فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو
متبع لأهل العناد، وقد أخبر الله في القرآن في غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم
من الكفار، وأن الأتباع مع متبوعيهم وأنهم يتحاجون في النار وأن الأتباع يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فآتِهِمْ
عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ، قَالَ لِكُلِّ ضعف ولكن لا تعلمون﴾ [الأعراف: 38] ، وقال تعالى: ﴿وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين
استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا
إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد﴾
[غافر: 47-48] ، وقال تعالى: ﴿ولو
ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين
استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن
صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا
بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا﴾ [سبأ: 31- 33] .
فهذا إخبار من الله وتحذير بأن
المتبوعين والتابعين اشتركوا في العذاب ولم يغن عنهم تقليدهم شيئا. وأصرح من هذا
قوله تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا
من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة
فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا﴾
[البقرة: 166-167] .
وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل أوزار من اتبعه، لا ينقص من
أوزارهم شيئا»([30])، وهذا يدل على
أن كفر من اتبعهم إنما هو بمجرد اتباعهم وتقليدهم.
نعم لا بد في هذا المقام من تفصيل به
يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم
يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود. فالمتمكن المعرض مفرط تارك
للواجب عليه لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن
من العلم بوجه فهم قسمان أيضا، أحدهما: مريد للهدى مؤثر له محب له، غير
قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه
الدعوة. الثاني: معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول
يقول: يا رب لو أعلم لك دينا خيرا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه، ولكن
لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي. والثاني:
راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه ولا فرق عنده بين حال عجزه
وقدرته، وكلاهما عاجز، وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق: فالأول
كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به، فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزا
وجهلا، والثاني كمن لم يطلبه، بل مات في شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين
عجز الطالب وعجز المعرض.
فتأمل هذا الموضع، والله يقضى بين عباده
يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في
جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو بعينه قامت عليه الحجة أم لا، فذلك مما لا
يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من
دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا
بعد قيام الحجة عليه بالرسول.
هذا في الجملة. والتعيين موكول إلى علم
الله عز وجل وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب. وأما في أحكام الدنيا فهي جارية
مع ظاهر الأمر. فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم
أوليائهم. وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة. وهو مبنى على أربعة أصول:
أحدها: أن الله سبحانه وتعالى لا
يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾
[الإسراء: 15] ، وقال تعالى: ﴿رسلا
مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: 165] ، وقال تعالى: ﴿كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد
جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء﴾
[الملك: 8- 9] ، وقال تعالى: ﴿فاعترفوا
بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير﴾
[الملك: 11] ، وقال تعالى: ﴿يا معشر
الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقآء يومكم هذا قالوا
شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾ [الأنعام: 130] ، وهذا كثير في القرآن،
يخبر أنه إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة، وهو المذنب الذي يعترف
بذنبه، وقال تعالى: ﴿وما ظلمناهم
ولكن كانوا هم الظالمين﴾ [الزخرف:
76] ، والظالم من عرف ما جاء به الرسول أو تمكن من معرفته، وأما من لم يكن عنده من
الرسول خبرا أصلا ولا يمكن من معرفته بوجه، وعجز عن ذلك فكيف يقال إنه ظالم؟
الأصل الثاني: أن العذاب يستحق
بسببين، أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادة العلم بها وبموجبها. الثاني: العناد
لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد. وأما كفر
الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه
حتى تقوم حجة الرسل.
الأصل الثالث: أن قيام الحجة
يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان
دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم
عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر
ترجمان يترجم له. فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئا ولا يتمكن من الفهم، وهو
أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الأسود وأبي
هريرة وغيرهما.
الأصل الرابع: أن أفعال الله
سبحانه وتعالى تابعة لحكمته التي لا يخل بها سبحانه، وأنها مقصودة لغايتها
المحمودة وعواقبها الحميدة. وهذا الأصل هو أساس الكلام في هذه الطبقات الذي عليه
نبني مع تلقي أحكامها من نصوص الكتاب والسنة، لا من أراء الرجال وعقولهم ولا يدرى
عدد الكلام في هذه الطبقات، إلا من عرف ما في كتب الناس، ووقف على أقوال الطوائف في
هذا الباب، والنهى إلى غاية مراتبهم ونهاية إقدامهم، والله الموفق للسداد الهادي
إلى الرشاد اهـ. ("طريق الهجرتين"/ص 411-413).
وقال الشيخ سليمان بن سمحان الخعثمي رحمه الله: فإذا تحققت أن
الأئمة قد اجتمعت على كفر الأتباع الجهال المقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، فكيف الحال
بالجهمية المعاندين؟ ("كشف الأوهام
والالتباس"/ص 68).
فمن تمكن لطلب العلم ففرط فيه فقد قامت عليه الحجة. قال
الإمام ابن القيم رحمه الله: فإن حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسول وإنزال
الكتاب وبلوغ ذلك إليه وتمكنه من العلم به، سواء علم أو جهل. فكل من تمكن من معرفة
ما أمر الله به ونهى عنه فقصّر عنه ولم يعرفه فقد قامت عليه الحجة. ("مدارج السالكين"/1 /ص180/دار الحديث).
وقالت اللجنة الدائمة: ومن عاش في بلاد يسمع فيها الدعوة إلى
الإسلام وغيره ثم لا يؤمن ولا يطلب الحق من أهله، فهو في حكم من بلغته الدعوة
الإسلامية وأصر على الكفر. ويشهد لذلك عموم حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم،
كما يشهد له ما قصه الله تعالى من نبأ قوم موسى إذ أضلهم السامري فعبدوا العجل وقد
استخلف فيهم أخاه هارون عند ذهابه لمناجاة الله، فلما أنكر عليهم عبادة العجل
قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ، فاستجابوا لداعي الشرك، وأبوا
أن يستجيبوا لداعي التوحيد، فلم يعذرهم الله في استجابتهم لدعوة الشرك والتلبيس
عليهم فيها لوجود الدعوة للتوحيد إلى جانبها مع قرب العهد بدعوة موسى إلى التوحيد.
("فتاوى اللجنة الدائمة
للبحوث العلمية والإفتاء"/2 /ص368).
والمراد بحديث أبي هريرة رضي الله عنه هو: عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة
يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». (أخرجه
مسلم (الإيمان/باب وجوب الإيمان /رقم (153))).
وقال فضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: يتضح من كلام هؤلاء
العلماء أن بلوغ الحجة بشرطين: الأول: أن يكون من بلغته يفهمها لو أراد. الثاني:
أن يكون ذلك في الأمور الظاهرة دون الخفية اهـ. (التعليق على "ضوابط تكفير المعين"/ص61/مكتبة الرشد).
هذا كله رد على أحد الصوفية الذي يزعم أن الرافضة من إخواننا،
ورد أيضا على جميع أعداء السنة الذين يزعمون أن أهل السنة يتسارعون في التكفير. بل
الأمر مضبوط بالقواعد والتفاصيل المبنية على الأدلة.
وهذا البيان رد أيضا على بعض الوعاظ الذي يقول: (إن عوام
الرافضة مسلمون)، بل يقول: (لا نستحل دماء الرافضة!).
زيادة الفائدة:
قال برهان الدِّين محمود بن أحمد بن مازه الحنفيّ رحمه الله قال
في "المحيط" : من أتى بلفظةِ الكفر مع
علمِه أَنَّها لفظةُ الكفر عن اعتقاده فقد كفر، و لو لم يعتقد أو لم يعلم
أَنَّها لفظة الكفر ولكن أتى بها عن اختيار فقد كفر عند عامَّة العلماء ولا
يُعْذَر بالجهل …ومن كفر
بلسانِه طائعاً وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان فهو كافر ولا ينفعه ما في قلبه. (نقله علوي
السقاف في "الاقتصاد في أن
الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد"/ص 37).
ففي الأمور المكفرة الخفية فالجاهل بها معذور حتى تقام عليه
الحجة الشرعية، وأما في الأمور المكفرة الظاهرة التي يعلمها العامة والخاصة فمن
وقع فيها فإنه كافر ولا يعذر بالجهل.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في ذمه لأهل الكلام: ... وذلك
يقتضي وجود الردة فيهم، كما يوجد النفاق فيهم كثيرا . وهذا إذا كان في المقالات
الخفية فقد يقال : إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها،
لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من
المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدا صلى الله
عليه وسلم بعث بها، وكفر مخالفها؛ مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن
عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير
ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، وإيجابه لها وتعظيم شأنها،
ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش
والربا والخمر والميسر ونحو ذلك . ثم تجد كثيرا من رؤسائهم وقعوا في هذه
الأمور، فكانوا مرتدين. ("مجموع الفتاوى"/4/ص54).
وقد قال رحمه الله، في "شرح العمدة" لما تكلم في
كفر تارك الصلاة، فقال: وفي الحقيقة: فكل رد لخبر الله، أو أمره فهو كفر،
دق أو جل، لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم، وكان أمرا يسيرا في الفروع،
بخلاف ما ظهر أمره، وكان من دعائم الدين، من الأخبار والأوامر. (كما في "الدرر السنية في الكتب
النجدية"/13/ص388).
وقال الشيخ العلامة حمد بن عتيق رحمه الله: ومسألة تكفير
المعين مسألة معروفة، إذا قال قولا يكون القول به كفرا، فيقال: من قال بهذا القول
فهو كافر، لكن الشخص المعين، إذا قال ذلك لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي
يكفر تاركها.
وهذا في المسائل الخفية، التي قد يخفى دليلها على بعض
الناس، كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء، فإن بعض
أقوالهم تتضمن أمورا كفرية، من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول
المتضمن لرد بعض النصوص كفرا، ولا يحكم على قائله بالكفر، لاحتمال وجود مانع
كالجهل، وعدم العلم بنقض النص، أو بدلالته، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها؛
ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه في كثير من كتبه.
وذكر أيضا تكفير أناس من أعيان المتكلمين، بعد أن قرر هذه
المسألة، قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية، فقد يقال بعدم التكفير، وأما ما
يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة،
فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة، تدفع بها في نحر من كفر
البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات، بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة.
وأما قوله: وهؤلاء ما فهموا الحجة; فهذا مما يدل على جهله،
وأنه لم يفرق بين فهم الحجة، وبلوغ الحجة، ففهمها نوع وبلوغها نوع آخر؛ فقد تقوم
الحجة على من لم يفهمها; وقد قال شيخنا، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله - في
كلام له -: فإن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية
بعيدة، أو يكون ذلك في مسائل خفية، مثل مسألة الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف.
وأما أصول الدين التي وضحها الله، وأحكمها في كتابه،
فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال: أنكم لم
تفرقوا بين قيام الحجة، وفهم الحجة؛ فإن الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع
قيامها عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ
أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾،
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي
آذَانِهِمْ وَقْراً﴾. فقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمها نوع آخر، وكفرهم الله
ببلوغها إياهم، مع كونهم لم يفهموها، إلى آخر كلامه رحمه الله.
(انتهى من "الدرر السنية في الكتب
النجدية"/13/ص432-434).
وقال فضيلة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله:
مسأَلة تكفير المعين: من الناس من يقول: لا يكفر المعين أَبدا. ويستدل هؤلاء
بأَشياء من كلام ابن تيمية غلطوا في فهمها وأَظنهم لا يكفرون إلا من نص القرآن على
كفره كفرعون. والنصوص لا تجيء بتعيين كل أَحد. يدرس باب (حكم المرتد) ولا يطبق على
أَحد، هذه ضلالة عمياء وجهالة كبرى، بل يطبق بشرط.
ثم الذين توقفوا في تكفير
المعين في الأَشياء التي قد يخفى دليلها فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من
حيث الثبوت والدلالة فإذا أُوضحت له الحجة بالبيان الكافي كفر سواء فهم، أَو قال:
ما فهمت، أَو فهم وأَنكر،
ليس كفر الكفار كله عن عناد.
وأَما ما علم بالضرورة أَن
الرسول جاء به وخالفه فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أَو
الفروع ما لم يكن حديث عهد بالإسلام.
(انتهى من "فتاوى ورسائل محمد بن
إبراهيم آل الشيخ"/1/ص58-59).
فالخلاصة: أن الروافض –زعماءهم وعوامهم- قد بلغتهم الحجة، وعندهم
إمكانية لطلب الحق أيضا، ولكن أعرضوا عن ذلك، فهم كفار مرتدون عن الإسلام حكما
ظاهرا في الحياة الدنيا، فهم مستحقون للقتل، بل هم أضر من الخوارج الأُول على هذه
الأمة الإسلامية، وقد أكثروا في سفك دماء المسلمين، ونهب أموالهم، وتخريب بيوتهم،
وانتهاك أعراضهم، وأفسدوا عقول العباد وأخلاقهم ودينهم، فجهادهم واجب، وقد أعد
الله تعالى لمن جاهدهم في سبيله أجرا عظيما.
خاتمة
الكتاب
هذا
الذي يسر لي الله بيانه. وقد علمتم أن الرافضة كفار مرتدون، دعاة إلى أبواب جهنم،
فمن أجابهم قذفوه في قوالب الكفر البواح حتى أهووه في جهنم. فضررهم أعظم من أضرار
الأعداء الخارجين. قال العلامة أبو الوفاء على بن عقيل الفقيه رحمه الله: قال
شيخنا أبو الفضل الهمداني: مبتدعة الإسلام والواضعون للأحاديث أشد من الملحدين لأن
الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلد
سعوا في إفساد أحواله، والملحدون كالحاضرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن فهو شر
على الإسلام من غير الملابسين له. (ذكره ابن الجوزي في مقدمة "الموضوعات"/ص25-26/ط.
دار الكتب العلمية).
ومما يزيد خطر الرافضة أنهم يعتقدون كفر هذه الأمة الذين
خالفوهم، فدماؤهم وأعراضهم وأموالهم حلال عندهم، فالأمر كما قال الإمام الشوكاني
رحمه الله: فإنه لا أمانة لرافضي قط على من يخالفه في مذهبه ويدين
بغير الرفض، بل يستحل ماله ودمه عند أدنى فرصة تلوح له، لأنه عنده مباح الدم
والمال. وكل ما يظهره من المودة فهي تقية، ويذهب أثره بمجرد إمكان الفرصة، وقد
جربنا هذا تجريبا كثيرا، ... إلخ. ("أدب الطلب"/ص61/دار الكتب
العلمية).
فشؤم الرافضة خطير، وضررهم جسيم، فلا بد من مداومة التحذير. ولولا
دفع الله شرهم بحراس دينه لفسدت حياة هذه الأمة، ولكن الله رحمهم في الدنيا
والآخرة فأقام من جاهد أعداءه في سبيله، وكشف عوار المبطلين، وبصّر الناس بعظيم
ضررهم، ويجدد دينه ينفي عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين،
فيبقى هذا الدين صفيا نقيا كما كان في القرون المفضلة الثلاثة. عن ثوبان رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على
الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». (أخرجه مسلم (1920)).
والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.
دماج، 22 ذو القعدة 1433هـ
فهرس
الكتاب
جدول المحتويات
تقديم فضيلة الشيخ أبي محمد عبد
الحميد بن يحيى الحجوري حفظه الله
مقدمة المؤلف
الباب الأول: وجوب
الاعتصام بحبل الله وسلوك الصراط المستقيم وبيان تمرد الرافضة منه
الباب الثاني: تعريف
الرافضة
عبد الله بن سبأ
والسبئية
الباب الثالث: أسباب
كفر الرافضة وردتهم
تنبيه:
الباب الرابع: أقوال
العلماء في كفر الرافضة
الباب الخامس: خطر
حال من لم يكفر الرافضة بعد بلوغه العلم
الباب السادس: جهاد
الكفار والزنادقة بالسيف والسنان والأقلام واللسان
الباب السابع: شبهات مانعي تكفير الرافضة
خاتمة الكتاب
فهرس الكتاب
([1]) قال الإمام
المروزي رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان ، أنبا أبو النضر يعني هاشم بن القاسم
ثنا حمزة بن المغيرة ، قال أبو النضر - وكان أعبد رجل - بالكوفة قال : ثنا عاصم
الأحول ، عن أبي العالية ، في قول الله: «اهدنا الصراط المستقيم» قال : هو
النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر، قال : فذكرت ذلك للحسن فقال : صدق
أبو العالية ونصح. ("السنة"/رقم (28)/تحقيق عبد الله بن محمد البصيري/دار العاصمة).
رجاله ثقات، والسند
صحيح إلى أبي العالية رحمه الله.
والأثر أخرجه الإمام ابن
جرير ("جامع البيان"/1/ص175/مركز البحوث والدراسات)، وابن أبي حاتم ("التفسير"/1/ص30) وابن عساكر ("التاريخ"/18/170) كلهم من طريق هاشم بن القاسم به.
([2]) الأثر ذكره
الإمام البغوي رحمه الله في "معالم التنزيل" (ص10/دار ابن حزم)
وابن عادل في "تفسير اللباب" (1/ص26) بدون سند.
([3]) لم أقف على
مصدر هذا الأثر. وقد مر بنا قول ولده –وهو عبد الرحمن
بن زيد بن أسلم رحمه الله - تفسير ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
[الفاتحة/7]: النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه. ("جامع البيان"/للطبري/1/176/دار التربية).
زيد بن أسلم إمام في
الحديث، وعالم في التفسير والفقه. وأما ولده هذا فضعيف في الحديث، وعالم في
التفسير والفقه. فرحمهما الله. وتفسير قول الله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة/7]: بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه
رضي الله عنهم تفسير صحيح، وقد فسره الأئمة والعلماء رحمهم الله بأنه صراط
الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين [النساء/69]، كما في تفسير ابن جرير وابن كثير
وغيرهما رحمهم الله.
([4]) أحرجه مسلم
(1037) عن معاوية رضي الله عنه. وجاء نحوه عند البخاري (7311) عن المغيرة بن شعبة
رضي الله عنه، وعند مسلم (1920) عن ثوبان رضي الله عنه، وعند مسلم (1923) عن جابر
رضي الله عنه.
([5]) أخرجه البخاري
(6922) عن عكرمة رضي الله عنه.
([6]) ضعيف. أخرجه عبد
الله بن أحمد في "فضائل الصحابة" رقم (48) وابن أبي عاصم في
"السنة" (1219)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" (1/ص297)، كلهم من طريق محمد بن طلحة عن أبي عبيدة بن الحكم عن
الحكم بن حجل عن علي رضي الله عنه به.
محمد بن طلحة هو ابن مصرف اليامي ، ثقة. وأبو عبيدة شيخ
مجهول، كما في "تاريخ دمشق" (47 /ص519).
و الحكم بن حجل وثقه ابن
معين كما في "تاريخ الإسلام" للإمام الذهبي (7 /ص345).
فالأثر بهذه
الطرق ضعيف.
([7]) قال نعمان بن
محمود الألوسي رحمه الله: وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير
المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال : خير هذه الأمة بعد نبيها - صلى الله
عليه وسلم - أبو بكر وعمر. ("جلاء العينين في محاكمة الأحمدين"/لنعمان بن محمود الألوسي/ص 75).
تنبيه: يقال في علي بن
أبي طالب كبقية الصحابة: رضي الله عنه.
([8]) أخرجه البخاري
(3671).
([9])
الصنف
الثامن عشر من الرافضة وهم القرامطة يزعمون أن النبي نص على علي بن أبي طالب.
وزعموا أن محمد بن إسماعيل حي إلى اليوم لم يمت، لا يموت حتى يملك الأرض، وأنه هو
المهدي. (انظر "مقالات الإسلاميين"/لأبي الحسن
الأشعري/ص 26).
والقرامطة من أتباع رجل
داع إلى دين الباطنية يقال له حمدان بن قرمط. لقب بذلك لقرمطه في خطه أو في خطوه. (انظر
"الفرق بين الفرق"/لعبد القاهر
البغدادي/ص 266).
([10])
وقد
حكا أصحاب المقالات أن الذين أسسوا دعوة الباطنية جماعة منهم ميمون بن ديصان
المعروف بالقداح وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق، وكان من الأهواز ومنهم محمد بن
الحسين الملقب بذيذان وميمون بن ديصان فى سجن والى العراق أسسوا في ذلك السجن
مذاهب الباطنية، ثم ظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن من جهة المعروف بذيذان.
("الفرق بين الفرق"/ص 266).
وأشهر ألقابهم الباطنية
وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا ولكل تنزيل تأويلا . ولهم ألقاب
كثيرة سوى هذه على لسان قوم قوم : فبالعراق : يسمون الباطنية والقرامطة والمزدكية.
وبخراسان : التعليمية والملحدة. ("الملل والنحل/لمحمد بن عبد
الكريم الشهرستاني/1/ص190).
قد فضحهم الشيخ إحسان إلهي
ظاهر في كتاب مستقل، وكذلك الغزالي في "فضائح الباطنية"، ولشيخنا أبي محمد عبد
الحميد الحجوري حفظه الله رسالة بعنوان: "عقائد الباطنية".
([11]) الخرمية:
أتباع بابك الخرمي نسبة إلى بلدة بفارس، ويقولون بالتناسخ، والحلول، والإباحية.
("المعجم الوسيط"/1/ص479).
والخرمية من طوائف المجوس.
وهم شر طوائف المجوس، لا يقرون بصانع ولا معاد ولا نبوة ولا حلال ولا حرام، وعلى
مذهبهم طوائف القرامطة والإسماعيلية والنصيرية والكيسانية والزرارية والحكمية
وسائر العبيدية الذين يسمون أنفسهم الفاطمية، فكل هؤلاء يجمعهم هذا المذهب،
ويتفاوتون في التفصيل، فالمجوس شيوخ هؤلاء كلهم، وأئمتهم وقدوتهم، وإن كان المجوس
قد يتقيدون بأصل دينهم وشرائعهم، وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم ولا
بشريعة من الشرائع. ("قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر"/للعلامة صديق حسن خان/ص 262).
([12]) المزدكية
كانوا يستحلون المحرمات كلها، وكانوا يقولون: إن الناس كلهم شركاء في الأموال
والحرم. وقتلهم أنوشروان في أيام مملكته. ("التبصير في الدين/ لطاهر بن محمد
الإسفراييني/ص 135).
ومزدك هو الذي ظهر في أيام
قباذ والد أنوشروان ودعا قباذ إلى مذهبه فأجابه واطلع أنوشروان على خزيه وافترائه
فطلبه فوجده فقتله. ("الملل والنحل"/1/ص248).
([13])
وأما
الإسماعيلية يلقبون بالباطنية لقولهم بباطن الكتاب وأصل دعوتهم مبنية على إبطال
الشرائع فإن قوماً من المجوس راموا كسر شوكة الإسلام ولم يمكنهم التصريح بذلك
فأخذوا في تأويل الشريعة على وجه يعود إلى قواعد أسلافهم ورئيسهم في ذلك حمدان
قرمط. (انظر "جلاء العينين"/ص 145).
والإسماعيلية نسبوا إلى
زعيم لهم يقال له محمد بن إسماعيل بن جعفر ويزعمون أن دور الإمامة انتهى إليه لأنه
سابع، واحتجوا بأن السموات سبع، والأرضين سبع، وأيام الأسبوع سبعة، فدل على أن دور
الأئمة يتم بسبعة. ("تلبيس إبليس"/لابن الجوزي/ص 125).
([14]) النصيرية لا
يكتمون أمرهم، بل هم معروفون عند جميع المسلمين، لا يصلون الصلوات الخمس، ولا
يصومون شهر رمضان، ولا يحجون البيت، ولا يؤدون الزكاة، ولا يقرون بوجوب ذلك،
ويستحلون الخمر وغيرها من المحرمات، ويعتقدون أن الإله علي بن أبى طالب، ويقولون :
نشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع
البطين
("مجموع فتاوى شيخ
الإسلام"/28
/ص554).
رأس النُصيرية نصير مولى
علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قال لعلي بن أبي طالب : أنت إلهٌ فأبعده وحرقه
بالنار فقال : لو لم تكن إلهاً ما عذّبتَ بالنار وإليه تُنسب الفرقة المعروفة
بالنصيرية. ("الوافي في الوفيات"/ص 3335).
([15])
أخرجه
البخاري (4416) ومسلم (2404) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
([16])
أخرجه
البخاري (121) ومسلم (65) عن جرير رضي الله عنه.
([17]) أخرجه مسلم
(2404) عن سهل بن سعد رضي الله عنه
([18]) لعله أبو
الحسن كوشيار بن لبان بن باشهري الجيلي ، من جملة المنجمين، سكن بغداد ومات في
حدود سنة 350. صنف من الكتب: "الزيج الجماع" و"الكيا في
النجوم" ، و"اللامع في أمثلة الزيج الجماع"، و"مجمل الأصول في
أحكام النجوم". ("هدية العارفين"/1/ص443).
([19]) لعله أبو الحسن
كوشيار بن لبان بن باشهري الجيلي ، من جملة المنجمين، سكن بغداد ومات في حدود سنة
350. صنف من الكتب: "الزيج الجماع" و"الكيا في النجوم" ،
و"اللامع في أمثلة الزيج الجماع"، و"مجمل الأصول في أحكام
النجوم". ("هدية العارفين"/1/ص443).
([20]) هو أبو محمد
عمارة بن علي بن زيدان اليمني الملقب نجم الدين - الشاعر المشهور ولد بتهامة اليمن
ورحل إلى زبيد، ثم إلى الديار المصرية سنة 550 وأقام بها في أرغد عيش، ثم فارق مصر
إلى أن استوطنها مرة ثانية. وزالت دولة المصريين الفاطمية. ولما ملك السلطان صلاح
الدين الديار المصرية مدحه ومدح جماعة من أهل بيته. إلا أنه شرع في مؤامرة مع
جماعة من رؤساء البلد على التعصب للمصريين وإعادة دولتهم، فأحسّ بهم السلطان صلاح
الدين وكانوا ثمانية من الأعيان ومن جملتهم عمارة اليمنى . فشنقهم سنة 569
بالقاهرة. و عمارة اليمنى رثى أصحاب القصر عند زوال ملكهم بقصيدة، فكانت هذه
القصيدة آخر أسباب حتفه . فصلب فيمن صلب بين القصرين من أتباع الدولة الفاطمية.
("معجم المطبوعات العربية"/3 /ص163).
([21]) أخرجه البخاري (3610)
ومسلم (1064) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
([22]) أخرجه ابن أبي شيبة (32731)،
والبيهقي (8/ص183) عن طارق بن شهاب رضي
الله عنه بسند صحيح.
([23]) قلت –وفقني الله-: إن أهل
الباطل لا بد أن تتناقض أقوالهم، وتتعارض آراءهم. قال
شيخ الإسلام رحمه الله: فإن التناقض أول مقامات الفساد. ("مجموع
الفتاوى"/6/ص 389).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: والأقوال إذا
تعارضت وتعذر الترجيح كان دليلا على فسادها وبطلانها. ("مفتاح دار
السعادة"/2/ص
147/المكتبة العصرية).
وقال الإمام ابن العثيمين رحمه الله: المهم: أن كل
إنسان لا يتبع جاء به في الكتاب والسنة فسوف يكون متناقضا، ولا بد ﴿وَلَوْ
كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
[النساء/82]. ("شرح الأصول من علم الأصول"/ص337/دار ابن الهيثم).
([24]) قلت –وفقني الله-: البهاشمة:
أتباع أبي هاشم الجبائي المعتزلي.
([25]) أخرجه البخاري (2458)
ومسلم (1713) عن أم سلمة رضي الله عنها.
([26]) أخرجه البخاري (6478) عن
أبي هريرة رضي الله عنه.
([27]) أخرجه مسلم (118) عن أبي
هريرة رضي الله عنه.
([28]) أخرجه البخاري (1358)
ومسلم (2658) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
([29]) أخرجه البخاري (6528)
ومسلم (221) عن ابن مسعود رضي الله عنه.
([30]) أخرجه مسلم (1017) عن جرير
رضي الله عنه.