بعض مهمات أهل الإيمان في شهر رمضان وسائر الأزمان
بعض
مهمات أهل الإيمان
في
شهر رمضان وسائر الأزمان
تقديم:
شيخنا الفاضل أبي عبد
الله محمد بن علي بن حزام البعداني
حفظه الله ورعاه
جمعها
الفقير إلى الله أبو فيروز عبد الرحمن بن سوكايا
آل الطوري الإندونيسي عفا الله عنه
مركز الدعوة السلفية دار
الحديث بدماج
الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد
اطلعت على ما كتبه أخونا الفاضل المبارك الداعي إلى الله عز وجل أبو فيروز عبد
الرحمن بن سوكايا الإندونيسي حفظه الله في كتابه المسمى "بعض مهمات أهل الإيمان في شهر رمضان
وسائر الأزمان" فوجدته
قد ذكر فيه وصايا مفيدة، ونصائح رشيدة، نسال الله عز وجل أن ينفع بها صاحبها وسائر
المسلمين، ونسأل الله عز وجل أن يثبتنا وأخانا أبا فيروز على السنة وطلب العلم حتى
نلقاه.
والحمد
لله رب العالمين.
كتبه أبو عبد الله
محمد بن علي بن حزام الفضلي عفى الله عنه
يوم الجمعة الموافق
23 شعبان 1430 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل
فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴿﴾[آل عمران:102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله الَّذِي
تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ الله
كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا
سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ
يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ
فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70 -71].
أما بعد: فإن خير الحديث كلام
الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل
محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
طارت الأيام والليالي طيران السهم عن قوسه، تصديقاً
لما روى أَبَو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم-
قَالَ: « يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ
وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ». قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ، الْقَتْلُ».
(أخرجه البخاري (كتاب الأدب/حسن الخلق/(6037)/دار الكتب العلمية)، ومسلم (كتاب العلم/ رفع العلم/(157)/دار ابن الجوزي)).
وعن
أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقوم الساعة
حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر ويكون الشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم
ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة الخوصة». ("مسند الإمام أحمد" (10943)/مؤسسة الرسالة، وحسنه الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند"/ (1439)/دار الآثار).
وما
شعرنا إلا وشهر رمضان أمام الديار يوشك أن يطرق الأبواب بالتحف والأبشار.
عن
أَبي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
«إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ
جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». (أخرجه البخارى (كتاب بدء الخلق/صفة إبليس/(3277) /دار الكتب
العلمية)، ومسلم (كتاب الصيام/فضل شهر رمضان/(1079)/دار الآثار).
وشرع
الله تعالى فيه الصيام، وهو عبادة عظيمة جدّاً.
عن
أَبي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
«قال الله عز و جل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام هو لي وأنا أجزي به فوالذي نفس
محمد بيده لخلفة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ...» الحديث (أخرجه البخارى
(كتاب الصوم/هل يقول إني صائم/(1904) /دار الكتب العلمية)، ومسلم (كتاب الصيام/فضل شهر رمضان/(1151)/دار الآثار)).
وعن
أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «عليك
بالصوم فإّنه لا مثل له...» الحديث (أخرجه الإمام أحمد رحمه الله (22141)/الرسالة، وصححه
الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" رقم (488)/دار الآثار).
فأحبّ
المشاركة في هذه الخيرات بِعَرْضِ بعض نصائح لإخواننا المسلمين، ]تَبْصِرَةً وَذِكْرَى
لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ[ [ق/8].
قال
الإمام ابن القيم رحمه الله في معنى الآية: أي لأجل التبصرة والذكرى والفرق بينهما
أن التبصرة توجب العلم والمعرفة والذكرى توجب الإنابة والانقياد وبهما تتم الهداية
اهـ. ("شفاء العليل" /الباب الحادي
والعشرين/في تنزيه القضاء الإلهي عن
الشر / ص 326-327/دار الكتب
العلمية).
وليس
القصد استيعاب الموضوع ولا التدقيق لأن ذلك يحتاج إلى الطاقة العظيمة، والأوقات
الواسعة. وإنما المأرب فهم القراء هذه التنبيهات الوجيزة، والنصائح السديدة، والبشائر
المليحة، عساها أن تُرضي الربّ عز وجل، وتصادف قلوباً مشتاقة إلى الحق، والتوفيق من الله وحده.
وأشكر
شيخنا المحدث المربي أبا عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله ورعاه- على
تربيته إيانا على توحيد رب العالمين، وعقيدة السلف، وفقههم، وعلومهم، وآدابهم عموماً،
وحثه إيانا على بذل النصح لسائر المسلمين خصوصا. وقد عرضت عليه بعض رسائل لينظر
فيها، فاعتذر بأنه في غاية من الشغل، فأرشدني إلى بعض المشايخ حفظهم الله.
وأشكر شيخنا
الفاضل أبا عبد الله محمد بن علي بن حزام البعداني -حفظه الله ورعاه- على تواضعه لمراجعة هذه
الرسالة، وتوجيهه، ثم تفضّله بالتقديم لها.
وأشكر شيخنا الفاضل
أبا حمزة محمد بن الحسين العمودي الحضرمي -حفظه الله ورعاه- على تواضعه، وبذل جهده
في مراجعة هذه الرسالة، والتنبيهات المهمة، والنصائح الثمينة.
وجزيل شكري
لأخينا المستفيد الفاضل أبي أمامة عبد الله الجحدري -حفظه الله ورعاه-، وقد بذل
جهده في مراجعة هذا الكتاب –وكتابي الأول "التلون في الدين" ونشرهما،
والنصح فيشأنهما.
ثم أشكر أخانا
الفاضل المستفيد أبا تراب سيف بن حضر الجاوي الإندونيسي وأخانا الفاضل أبا عبد
الرحمن إرحم الميداني الإندونيسي، وأخانا الفاضل أبا صالح ذكوان الميداني
الإندونيسي وغيرهم -حفظهم الله ورعاهم- على إرشادهم وتشجيعهم ونصرتهم إياي في
تصنيف هذا الكتاب المتواضع،
فتقبل الله
تعالى منهم جميعاً.
إن الله لم يخلق الجنّ ولا
الإنس إلا ليوحّدوه في جميع العبادات، ولا يشركوا به شيئاً، كما سيأتي ذكر الدليل
على ذلك. قال الله تعالى: }وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة{
(سورة البينة: 5). وقال تعالى: ]حُنَفَاءَ الله
غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ[ [الحج/31]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي الله رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ
أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ [الأنعام/162، 163]
وعن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.
فمَنْ كانت هجرته إِلَى الله ورسوله فهجرته إِلَى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إِلَى ما هاجر إليه». (أخرجه
البخاري (كتاب بدء الوحي/كيف كان بدء
الوحي/(1) /دار الكتب العلمية) ومسلم (كتاب الإمارة/قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما الأعمال .../(1907)/دار ابن الجوزي).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال
الباطنة والظاهرة. فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء
الأمانة، وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي
عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار، واليتيم، والمسكين،
والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من
العبادة، وكذلك حبّ الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له،
والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف
لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادات لله.
وذلك
أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له التي خلق الخلق لها كما قال
تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: 56]. وبها أرسل جميع
الرسل كما قال نوح لقومه : ]اعبدوا الله ما
لكم من إله غيره[ [الأعراف: 59 ] كذلك وقول هود [الأعراف: 65]
وصالح [الأعراف: 73] وشعيب [الأعراف: 85] وغيرهم لقومهم وقال تعالى: ]ولقد بعثنا في كل أمة
رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه
الضلالة[ [النحل: 36] وقال تعالى: ]وما أرسلنا من قبلك من
رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون[ ]الأنبياء: 25[ وقال تعالى: ]إن هذه أمتكم أمة واحدة
وأنا ربكم فاعبدون[ [ الأنبياء: 92] انتهى ("العبودية" / مع شرح الشيخ عبد
العزيز الراجحي حفظه الله /ص 6-9/دار التوحيد والسنة).
فمن أتعب نفسه في رمضان –وفي سائر الأشهر- بأنواع العبادات المشروعة مخلصا فإن
الله لا يضيع أجر المحسنين. قال تعالى: ]وَمَنْ
يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا[
[النساء/124].
والعكس
كذلك، قال جل ذكره: ]وَوُضِعَ
الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا
وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً
إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا[ [الكهف/49]،
فنعوذ
بالله من الخسران. قال تعالى: ]وَقَدِمْنَا
إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا[ [الفرقان/23]
وعن
سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة فقال له ناتل أهل الشام: أيها الشيخ
حدِّثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: نعم سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به
فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت
ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل. ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في
النار. ورجل تعلّم العلم، وعلّمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال:
فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت
العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على
وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي
به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها
إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل. ثم أُمر به
فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» (أخرجه مسلم /كتاب الإمارة/من قاتل للرياء/(1906)/دار ابن الجوزي).
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل
عمران/31].
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته
واتباع أمره ، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك
بالقلب واليد واللسان. فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين
اتبعوهم بإحسان. اهـ ("اقتضاء الصراط المستقيم"/2 / ص 124/مكتبة الرشد).
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى
محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى
يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا
فَهُوَ رَدُّ» ولهذا قال: ]قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله[ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من
محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء:
ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَب. اهـ ("تفسير
القرآن العظيم" /1/ ص 494-495/دار الصديق).
عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلى بنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت
منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم
بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشيّاً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى
اختلافا كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضّوا
عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». (أخرجه
أبو داود (كتاب السنة/في لزوم السنة/(4594)/عون المعبود/دار الكتب
العلمية) وغيره، وحسنه الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" رقم (921) /دار الآثار).
وعَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا
لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ». (أخرجه البخارى (كتاب الصلح/إذا اصطلحوا
.../(2697) /دار الكتب العلمية)، ومسلم (كتاب الأقضية/نقض الأحكام الباطلة/(1718)/دار ابن الجوزي)
بلفظ: «ما ليس منه»).
وانتبهوا
أن تعمّروا شهر رمضان –وسائر الأزمان-
بمحدثة، وتظنّون أنكم تحسنون صنعا وقد أغضبتم ربكم. قال تعالى: ]قل هل أنبئكم بالأحسرين
أعمالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا[ [الكهف/104]
وقال
الإمام ابن كثير رحمه الله: وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية
يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود، كما قال تعالى: ]وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً[ [الغاشية: 2-4] ... إلخ ("تفسير القرآن العظيم"/3/ ص 150/دار الصديق).
والأدلة
وأقوال الأئمة في هذا الباب كثيرة معروفة.
ومن
اتباع الشريعة المحمدية في صيام رمضان: تحديد الشهر برؤية الهلال.
عن
أبي هريرة رضى الله عنه يقول: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - أو قال قال أبو
القاسم - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم
فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». (أخرجه البخارى (كتاب الصوم/قول النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: إذا رايتم الهلال.../ (1909) /دار الكتب العلمية)،
ومسلم (كتاب الصيام/وجوب الصيام
رمضا لرؤيته/(1081)/دار ابن الجوزي).
وبداية
الصيام أذان الصبح حين طلع الفجر الصادق.
عَنْ
ابن عمر وعَائِشَةَ رضى الله عنهم أَنَّ بِلاَلاً كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ،
فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ
ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ».
(أخرجه البخارى /كتاب الصوم/قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا يمنعنكم من .../(1919) /دار الكتب العلمية)،
وأخرجه
مسلم أيضاً (كتاب الصيام/بيان أن الدخول
في الصوم يحصل بطلوع الفجر /(1092)/دار ابن الجوزي)
عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وبوّب
الإمام النووي رحمه الله: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر وأن له
الأكل وغيره حتى يطلع الفجر وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في
الصوم ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك. ("صحيح مسلم"/ص526/دار ابن الجوزي).
ومن
شريعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعجيل الإفطار عند غروب الشمس.
عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا
عَجَّلُوا الْفِطْرَ». (أخرجه البخارى (كتاب الصوم/تعجيل الإفطار/(1957) /دار الكتب العلمية) ومسلم (كتاب الصيام/فضل الالسحور ... وتعجيل الفطر/(1098)/دار ابن الجوزي).
وعَنْ
عَبْدِ الله بْنِ أَبِى أَوْفَى رضى الله عنهما قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله -
صلى الله عليه وسلم - فِى سَفَرٍ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ
قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ: «يَا فُلاَنُ قُمْ، فَاجْدَحْ لَنَا». فَقَالَ: يَا
رَسُولَ الله، لَوْ أَمْسَيْتَ. قَالَ: «انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا». قَالَ: يَا رَسُولَ
الله فَلَوْ أَمْسَيْتَ. قَالَ: «انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا». قَالَ: إِنَّ
عَلَيْكَ نَهَارًا. قَالَ: «انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا». فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ،
فَشَرِبَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ
اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». (أخرجه
البخارى (كتاب الصوم/متى يحصل فطر
الصائم/(1955) /دار الكتب العلمية)، ومسلم (كتاب الصيام/بيان وقت انقضاء الصيام/(1101)/دار ابن الجوزي).
وقال الإمام النووي رحمه الله: فَرَأَى
الْمُخَاطَب آثَار الضِّيَاء وَالْحُمْرَة الَّتِي بَعْد غُرُوب الشَّمْس فَظَنَّ
أَنَّ الْفِطْر لَا يَحِلّ إِلَّا بَعْد ذَهَاب ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ عِنْده أَنَّ
النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرَهَا. فَأَرَادَ تَذْكِيرَهُ
وَإِعْلَامَهُ بِذَلِكَ، وَيُؤَيِّد هَذَا قَوْله: (إِنَّ عَلَيْك نَهَارًا)
لِتَوَهُّمِهِ أَنَّ ذَلِكَ الضَّوْء مِنْ النَّهَار الَّذِي يَجِب صَوْمه، وَهُوَ
مَعْنَى (لَوْ أَمْسَيْت) أَيْ: تَأَخَّرْت حَتَّى يَدْخُل الْمَسَاء، وَتَكْرِيره
الْمُرَاجَعَة لِغَلَبَةِ اِعْتِقَاده عَلَى أَنَّ ذَلِكَ نَهَار يَحْرُم فِيهِ
الْأَكْل مَعَ تَجْوِيزه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ
يَنْظُر إِلَى ذَلِكَ الضَّوْء نَظَرًا تَامًّا، فَقَصَدَ زِيَادَة الْإِعْلَام
بِبَقَاءِ الضَّوْء.
وَفِي
هَذَا الْحَدِيث: جَوَاز الصَّوْم فِي السَّفَر، وَتَفْضِيله عَلَى الْفِطْر
لِمَنْ لَا تَلْحَقُهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ. وَفِيهِ: بَيَان
اِنْقِضَاء الصَّوْم بِمُجَرَّدِ غُرُوب الشَّمْس وَاسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْفِطْر،
وَتَذْكِير الْعَالِم مَا يُخَاف أَنْ يَكُون نَسِيَه، ... إلخ ("المنهاج"/7/ ص 217-218/دار القلم).
لا يوحَّد الله عز وجل، ولا يتَّبع الرسول صلى الله
عليه وآله وسلم بالجهل. وكذلك لا ينجو أحد من الشرك ولا يسلم من البدع إلا بالعلم،
فلا بد من ترسيخ الأقدام بمتانة العلم.
وقال
تعالى: ]وَمَا كَانَ
الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ
مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا
رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[ [التوبة/122].
وقال
تعالى: ]وَقُلْ رَبِّ
زِدْنِي عِلْمًا[ [طه/114].
الأدلة
في هذا الباب كثيرة معروفة، وإنما أريد التنبيه.
قال
تعالى: ]فَاعْلَمْ
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ[
[محمد/19].
قال الإمام البخاري رحمه الله: باب العلم قبل القول
والعمل. لقول الله تعالى: ]فاعلم أنه لا
إله إلا الله[ فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء - ورثوا العلم - من
أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة.
وقال جل ذكره: ]إنما يخشى الله
من عباده العلماء[ وقال: ]وما يعقلها إلا
العالمون[ ]وقالوا لو كنا
نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير[. وقال: ]هل يستوى الذين
يعلمون والذين لا يعلمون[. وقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: «من يرد الله به خيرا يفقهه
فى الدين»، «وإنما العلم بالتعلّم» اهـ. ("صحيح البخارى" /ص 30/دار الكتب العلمية).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: فالكامل من يحكم
العلم على الحال فيتصرف في حاله بعلمه ويجعل العلم بمنزلة النور الذي يميز به
الصحيح من الفاسد اهـ. ("بدائع الفوائد" /السؤال السابع
والعشرون/2
/ ص 192/دار الكتاب العربي).
ثم
إن شهر رمضان ليس عطلة عن العلم، بل هو شهر الزراعة واغتنام البركة، فمن يزرع خيراً
يحصد ما هو أخير ثوابا. قال تعالى: ]مَنْ عَمِلَ
صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً
طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[
[النحل/97].
ولا
شك أن قراءة القرآن وتدبره –وهو منبع
العلوم والمعارف- مقدّم على غيره في هذا الشهر المبارك.
ومن
أعظم القربات إلى الله طلب العلم الشرعي. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الوجه
الثامن والمائة: إن كثيراً من الأئمة صرّحوا بأن أفضل الأعمال بعد الفرائض طلب
العلم. فقال الشافعي: ليس شيء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. وهذا الذي ذكر أصحابه
عنه أنه مذهبه، وكذلك قال سفيان الثوري، وحكاه الحنفية عن أبي حنيفة. وأما الإمام أحمد
فحكى عنه ثلاث روايات، إحداهن: إنه العلم، فإنه قيل له: أي شيء أحب إليك: أجلس
بالليل أنسخ أو أصلّي تطوعاً؟ قال: نسخك تعلم به أمور دينك فهو أحبّ إلي. وذكر
الخلال عنه في كتاب العلم نصوصاً كثيرة في تفضيل العلم. ومن كلامه فيه: الناس إلى
العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب ... إلخ ("مفتاح دار السعادة" /1 / ص 150/المكتبة
العصرية).
وقال الإمام عبد الرحمن بن ناصر آل السعدي
رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِين﴾ [العنكبوت/69]
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ وهم
الذين هاجروا في سبيل الله، وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا﴾ أي: الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون. ﴿وَإِنَّ الله لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ﴾ بالعون والنصر والهداية. دل هذا، على أن أحرى الناس بموافقة
الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن فيما أمر به أعانه اللّه ويسر له أسباب
الهداية، وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم الشرعي، فإنه يحصل له من الهداية
والمعونة على تحصيل مطلوبه أمور إلهية، خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر
العلم، فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل اللّه، بل هو أحد نَوْعَي
الجهاد، الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق، وهو الجهاد بالقول واللسان، للكفار
والمنافقين، والجهاد على تعليم أمور الدين، وعلى رد نزاع المخالفين للحق، ولو
كانوا من المسلمين اهـ. ("تيسير الكريم الرحمن"/ص763/دار إحياء التراث العربي).
وقال الإمام ابن العثيمين رحمه الله: لقد مدح الله
- سبحانه وتعالى - العلم وأهله، وحثَّ عباده على العلم والتزود منه وكذلك السنة
المطهرة. فالعلم من أفضل الأعمال الصالحة، وهو من أفضل وأجلّ العبادات، عبادات
التطوع؛ لأنه نوع من الجهاد في سبيل الله، فإن دين الله - عز وجل - إنما قام
بأمرين: أحدهما: العلم والبرهان، والثاني: القتال والسنان، فلا بد من هذين
الأمرين، ولا يمكن أن يقوم دين الله ويظهر إلا بهما جميعًا، والأول منهما مقدّم
على الثاني، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يُغِير على قوم حتى تبلغهم
الدعوة إلى الله - عز وجل - فيكون العلم قد سبق القتال اهـ. ("كتاب العلم" /الفصل الثاني/ص 13/دار الثريا
للنشر).
وقال شيخنا المحدث يحيى بن علي الحجوري حفظه الله:
ليس هناك جهاد أنفع من العلم في هذه الأزمنة اهـ. (سجلت هذه الفائدة تاريخ 23
شعبان 1430 هـ).
من فضل الله على عباده أنه اختار لهم هذا الدين
القيم، وشرع لهم الأعمال الفاضلة، وقدر لهم الأحوال يرفع الله بها درجاتهم، منها:
1-
صدق الإيمان
قال تعالى: ]وَمَنْ
يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ
الْعُلَا * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى[ [طه/75، 76]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: وقوله: ]وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا
قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ[ أي: ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب، قد صدق ضميره بقوله
وعمله، ]فَأُولَئِكَ
لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا[ أي: الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن
الطيبات ... – إلى قوله:- ]وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ
تَزَكَّى[ أي: طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له،
وصدق المرسلين فيما جاءوا به من خَبَر وطلب. اهـ. ("تفسير القرآن العظيم"/4/ص 221/دار الصديق).
وقال القرطبي رحمه الله: ]فأولئك لهم
الدرجات العلا[ أي الرفيعة التي قصرت دونها الصفات. ودل قوله: ]ومن يأته مؤمنا[
على أن المراد بالمجرم المشرك. قوله تعالى: ]جنات عدن[
بيان للدرجات وبدل منها، والعدن الاقامة. وقد تقدم بيانه. ]تجري من تحتها[ أي من تحت غرفها وسررها ]الانهار[
من الخمر والعسل واللبن والماء. وقد تقدم. ]خالدين فيها[
أي ماكثين دائمين. ]وذلك جزاء من
تزكى[ أي من تطهر من الكفر والمعاصي اهـ. ("الجامع لأحكام القرآن"/ 11/ ص 204/دار الكتاب
العربي).
وقال الله تعالى: ]إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا
تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ
رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ[. (الأنفال: 2-4)
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: وهذه صفة المؤمن حق
المؤمن، الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي: خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره.
كقوله تعالى: ]وَالَّذِينَ
إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله
فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا الله وَلَمْ
يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ[ [آل عمران: 135] وكقوله تعالى: ]وَأَمَّا مَنْ
خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ
الْمَأْوَى[. ("تفسير القرآن
العظيم"/2/ ص 392/دار الصديق).
وفي قوله تعالى: ]وإذا تليت
عليهم آياته زادتهم إيمانا[ قال شيخ الإسلام رحمه الله: وذلك أنها تزيدهم
علم ما لم يكونوا قبل ذلك علموه وتزيدهم عملا بذلك العلم وتزيدهم تذكرا لما كانوا
نسوه وعملا بتلك التذكرة وكذلك ما يشاهده العباد من الآيات فى الآفاق وفى أنفسهم
قال تعالى: ]سنريهم آياتنا
فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق[ أى: أن القرآن حق، ثم قال تعالى: ]أو لم يكف بربك
أنه على كل شيء شهيد[ فإن الله شهيد فى القرآن بما أخبر به فآمن به المؤمن ثم آراهم فى
الآفاق وفى أنفسهم من الآيات ما يدل على مثل ما أخبر به فى القرآن فبينت لهم هذه
الآيات أن القرآن حق مع ما كان قد حصل لهم قبل ذلك اهـ. ("مجموع الفتاوى"/7 / ص 236/ط. مكتبة ابن
تيمية).
وفي قوله تعالى: ]وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أي: لا يرجون
سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه،
ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في
الملك، وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب؛ ولهذا قال سعيد بن
جبير: التوكل على الله جماع الإيمان.
وقوله ]الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ[ ينبه بذلك على أعمالهم، بعد ما ذكر اعتقادهم، وهذه الأعمال تشمل
أنواع الخير كلها، وهو إقامة الصلاة، وهو حق الله تعالى.
وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها
ووضوئها، وركوعها، وسجودها. وقال مقاتل بن حَيَّان: إقامتها: المحافظة على
مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد
والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، هذا إقامتها، والإنفاق مما رزقهم الله يشمل
إخراج الزكاة، وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب، والخلق كلهم عيال الله، فأحبهم
إلى الله أنفعهم لخلقه.
قال قتادة في قوله ]وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ[ فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا
ابن آدم، أوشكت أن تفارقها.
وقوله: ]أُولَئِكَ هُمُ
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا[ أي: المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان اهـ. ("تفسير القرآن العظيم" /2/ ص 392/دار الصديق).
وقال القرطبي رحمه الله في قول الله تعالى: ]أُولَئِكَ هُمُ
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا[: أي الذي استوى في الإيمان ظاهرهم وباطنهم. ودل هذا على أن لكل حق
حقيقة،... إلخ ("الجامع لأحكام
القرآن" /7/ص322/دار الكتاب
العربي).
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله في قول الله: ]لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ
رَبِّهِمْ[ أي: منازل ومقامات ودرجات في الجنات، كما قال تعالى: ]هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ الله
وَالله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ[ [آل عمران: 163]
]ومغفرة[
أي: يغفر لهم السيئات، ويشكر لهم الحسنات. وقال الضحاك في قوله: ]لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ
رَبِّهِمْ[ أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل
منه، ولا يرى الذي هو أسفلُ أنه فُضّل عليه أحد. ولهذا جاء في الصحيحين أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل علِّيين ليراهم من أسفل منهم كما ترون
الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء»، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء،
لا ينالها غيرهم؟ فقال: «بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين».
("تفسير القرآن الكريم"/2/ ص 393/دار الصديق).
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضى الله عنه عَنِ
النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «إِنَّ
أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَيُونَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَيُونَ
الْكَوْكَبَ الدُّرِّىَّ الْغَابِرَ فِى الأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ
الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ». قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، تِلْكَ
مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: «بَلَى وَالَّذِى
نَفْسِى بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِالله وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ». (أخرجه
البخارى (كتاب بدء الخلق/ما جاء في صفة
الجنة/(3256)/دار الكتب العلمية)، ومسلم (كتاب صفة القيامة/ترائي أهل الجنة/ الغرف/(2831)/دار ابن الجوزي)).
قال ابن حجر رحمه الله: وَالْمَعْنَى أَنَّ أَهْل
الْجَنَّة تَتَفَاوَت مَنَازِلهمْ بِحَسَبِ دَرَجَاتهمْ فِي الْفَضْل، حَتَّى
إِنَّ أَهْل الدَّرَجَات الْعُلَا لَيَرَاهُمْ مَنْ هُوَ أَسْفَل مِنْهُمْ
كَالنُّجُومِ. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيث بِقَوْلِهِ: «لِتَفَاضُلِ مَا
بَيْنهمْ» -إلى قوله:- قَوْلُهُ: «وَصَدَّقُوا
الْمُرْسَلِينَ» أَيْ: حَقّ تَصْدِيقهمْ وَإِلَّا لَكَانَ كُلّ مَنْ آمَنَ بِالله
وَصَدَّقَ رُسُله وَصَلَ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إلخ. ("فتح الباري" /6/ ص 394-395/دار السلام).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: وفي التمثيل به
دون الكواكب المسامت للرأس وهو أعلى فائدتان: أحدهما: بعده عن العيون، والثانية:
أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض وإن لم تسامت العليا السفلى كالبساتين الممتدة من
رأس الجبل إلى ذيله، والله أعلم ("حادي الأرواح" /الباب السابع
عشر/
ص 96/مكتبة عباد الرحمن).
2-
عموم الأعمال الصالحات، والمسابقة فيها
قال
جل ذكره: ]وَلِكُلٍّ
دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ[ [الأحقاف/19]
وقال
ربنا عز وجل: ]وَلِكُلٍّ
دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ[
[الأنعام/132]
وقال
الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره: ولكل عامل في طاعة الله أو
معصيته، منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرًا فخيرً وإن
شرًا فشرً ]وما ربك بغافل
عما يعملون[، يقول جل ثناؤه: وكل ذلك من عملهم، يا محمد، بعلم من ربِّك، يحصيها
ويثبتها لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه اهـ. ("جامع البيان"/12 / ص 125/دار التربية
والتراث).
وقال
الإمام السعدي رحمه الله: ]وَلِكُلٍّ[
منهم ]دَرَجَاتٌ
مِمَّا عَمِلُوا[ بحسب أعمالهم، لا يجعل قليل الشرّ منهم ككثيره، ولا التابع كالمتبوع،
ولا المرءوس كالرئيس، كما أن أهل الثواب والجنة وإن اشتركوا في الربح والفلاح
ودخول الجنة، فإن بينهم من الفرق ما لا يعلمه إلا الله، مع أنهم كلهم، قد رضوا بما
آتاهم مولاهم، وقنعوا بما حباهم. فنسأله تعالى أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى،
التي أعدها الله للمقربين من عباده، والمصطفين من خلقه، وأهل الصفوة من أهل وداده.
]وَمَا رَبُّكَ
بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ[ فيجازي كلا بحسب علمه، وبما يعلمه من مقصده، وإنما أمر الله
العباد بالأعمال الصالحة، ونهاهم عن الأعمال السيئة، رحمة بهم، وقصدا لمصالحهم.
وإلا فهو الغني بذاته، عن جميع مخلوقاته، فلا تنفعه طاعة الطائعين، كما لا تضره
معصية العاصين اهـ. ("تيسير الكريم
الرحمن"/ ص 274/وزارة الشئون الإسلامية السعودية).
عن سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ رضى الله عنه قَالَ:
كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُنِى عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ إِنِّى قَدْ بَلَغَ بِى مِنَ الْوَجَعِ وَأَنَا
ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِى إِلاَّ ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَىْ مَالِى
قَالَ: «لاَ». فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقَالَ: «لاَ» ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلْثُ
كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ
أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ
نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ الله إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ
فِى فِى امْرَأَتِكَ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِ؟
قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً صَالِحًا إِلاَّ ازْدَدْتَ
بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ
بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللهمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِى هِجْرَتَهُمْ،
وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ،
يَرْثِي لَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ». (أخرجه
البخاري (كتاب الجنائز/رثى النبي صلى
الله عليه وآله وسلم سعد بن خولة/(1295)/دار الكتب
العلمية)، ومسلم (كتاب الوصية/باب الوصية
بالثلث/(1628)/دار ابن جزم).
وقال تعالى: ]والسابقون
السابقون أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ[
(الواقعة: 10-12)
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: فإن المراد
بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى: ]وَسَارِعُوا إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ[
[آل عمران: 133]، وقال: ]سَابِقُوا
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ
وَالأرْضِ[ [الحديد: 22]، فمن سابق إلى هذه الدنيا وسبق إلى الخير، كان في
الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان؛
ولهذا قال تعالى: ]أُولَئِكَ
الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ[ اهـ. ("تفسير القرآن العظيم"/4 / ص 371/دار الصديق).
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: وقيل: هم كل من سبق
إلى شئ من أشياء الصلاح. ثم قيل: ]السابقون[
رفع بالابتداء، والثاني توكيد له. والخبر ]أولئك المقربون[.
وقال الزجاج: ]السابقون[
رفع بالابتداء والثاني خبره، والمعنى السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة
الله ]أولئك المقربون[
من صفتهم اهـ. ("الجامع لأحكام
القرآن"/17/ص 172/دار الكتاب العربي).
وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله اختلاف النحاة في
هذا التركيب، ثم قال: والثالث: أن يكون الأول غير الثاني، ويكون المعنى: السابقون
في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنات، والسابقون إلى الإيمان
هم السابقون إلى الجنان، وهذا أظهر، والله أعلم اهـ. ("حادي الأرواح"/الباب السابع
والعشرون/
ص 143/مكتبة عباد الرحمن).
والسابقون الأولون من الصحابة رضي الله
عنهم أعظم درجة ممن بعدهم. قال تعالى: ]لا يَسْتَوِي
مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ
دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ الله
الْحُسْنَى وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[ (الحديد: 10).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أي: لا يستوي هذا
ومن لم يفعل كفعله، وذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديدًا، فلم يكن يؤمن حينئذ
إلا الصدّيقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورًا عظيمًا، ودخل الناس في
دين الله أفواجا؛ ولهذا قال: ]أُولَئِكَ
أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا
وَعَدَ الله الْحُسْنَى[، والجمهور على أن المراد بالفتح هاهنا فتح مكة. وعن الشعبي وغيره
أن المراد بالفتح هاهنا: صلح الحديبية، وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد:
حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زُهَير، حدثنا حُمَيد الطويل، عن أنس قال: كان بين
خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون
علينا بأيام سبقتمونا بها؟ فبلغنا أن ذلك ذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «دعوا
لي أصحابي فوالذي نفسي بيده، لو أنفقتم مثل أحد-أو مثل الجبال-ذهبًا، ما بلغتم
أعمالهم». ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح
الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جَذيمة الذين بعث إليهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: "صبأنا،
صبأنا"، فلم يحسنوا أن يقولوا: "أسلمنا"، فأمر خالد بقتلهم وقتل من
أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر وغيرهما. فاختصم خالد وعبد
الرحمن بسبب ذلك، والذي في "الصحيح" عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه قال: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد
ذهبًا، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نَصيفه»([1])
-إلى
أن قال رحمه الله:- ولهذا قال: ]وَالله بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[ أي: فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل
ذلك بعد ذلك، وما ذلك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجهد
والقلة والضيق. –إلى قوله:- ولا
شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر، رضي الله عنه، له الحظ الأوفر من هذه
الآية، فإنه سيّد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه
الله عزّ وجل، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها. ("تفسير القرآن الكريم" /4/ ص 402-404/دار الصديق).
3-
الجهاد في سبيل الله عز وجل
قال تعالى: ]وَفَضَّلَ الله
الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ
وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا[ [النساء/95، 96]
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -: «من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، كان حقا
على الله أن يدخله الجنة جاهد فى سبيل الله، أو جلس فى أرضه التى ولد فيها».
فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: «إن فى الجنة مائة درجة أعدها الله
للمجاهدين فى سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم
الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه فوقه عرش الرحمن، ومنه
تفجّر أنهار الجنة». قال محمد بن فليح عن أبيه: «وفوقه عرش الرحمن». (أخرجه
البخارى /كتاب الجهاد/درجات المجاهدين.../(2790)/دار الكتب
العلمية).
وعن أَنَس رضى الله عنه يَقُولُ: أُصِيبَ حَارِثَةُ
يَوْمَ بَدْرٍ وَهْوَ غُلاَمٌ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله
عليه وسلم – فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ الله، قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّى، فَإِنْ يَكُنْ فِى
الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإِنْ تَكُ الأُخْرَى تَرَى مَا أَصْنَعُ
فَقَالَ: «وَيْحَكِ أَوَهَبِلْتِ أَوَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِىَ إِنَّهَا جِنَانٌ
كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِى جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ». (أخرجه البخارى /كتاب المغازي/فضل من شهد
بدرا/(3982)/دار الكتب العلمية).
وأعظم جهاد المسلمين اليوم الجهاد باللسان والقلم
لجميع أرباب الباطل، بقدر الإمكان. ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتفقه في دين الله
تعالى، والعمل بذلك، والدعوة إلى الله عز وجل.
4-
ذكر الله تعالى
قال ربنا عز وجل: ]وَلَذِكْرُ الله
أَكْبَرُ وَالله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون[ [العنكبوت/45]
عن أبى الدرداء رضى الله عنه قال: قال النبى -صلى
الله عليه وسلم-: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها فى
درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا
أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟». قالوا: بلى. قال: «ذكر الله تعالى». (أخرجه الإمام
أحمد (5/195)،
والترمذي (كتاب الدعوات/باب – 7)/3377)/أحوذي)، وابن
ماجه (كتاب الأدب/فضل الذكر/(3790)/دار السلام)، وصححه الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" (1038) /دار الآثار).
قال العلامة المباركفوري رحمه الله: «وَأَزْكَاهَا» أَيْ: أَنْمَاهَا وَأَنْقَاهَا،
وَالزَّكَاءُ النَّمَاءُ وَالْبَرَكَةُ ("تحفة الأحوذي" / 9/ص294/دار إحياء
التراث).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: وهذا الحديث هو
فصل الخطاب والتفصيل بين الذاكر والمجاهد، فإن الذاكر المجاهد أفضل من الذاكر
بلا جهاد والمجاهد الغافل، والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل عن الله
تعالى. فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين الذاكرون. قال الله تعالى: ]يا أيها الذين
آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون[
فأمرهم بالذكر الكثير والجهاد معاً ليكونوا على رجاء من الفلاح، وقد قال تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا
اذكروا الله ذكرا كثيرا[ وقال تعالى: ]والذاكرين الله
كثيرا والذاكرات[ أي كثيراً، وقال تعالى: ]فإذا قضيتم
مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً[ ففيه الأمر بالذكر بالكثرة والشدة لشدة حاجة العبد إليه وعدم
استغنائه عنه طرفة عين، فأي لحظة خلا فيها العبد عن ذكر الله عز وجل كانت عليه
لا له، وكان خسرانه فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله، اهـ ("الوابل الصيب"/فصل ]في فضل الذكر[ /ص 78-79/مكتبة دار البيان).
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ
رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الله مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِى
الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا
يَذْكُرُونَ الله تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ. قَالَ:
فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ:
فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِى؟ قَالُ:
يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيُمَجِّدُونَكَ.
قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِى؟ قَالَ:
فَيَقُولُونَ: لاَ وَالله مَا رَأَوْكَ . قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ
رَأَوْنِى؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً،
وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا. قَالَ: يَقُولُ:
فَمَا يَسْأَلُونِى؟ قَالَ: يقولون: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ. قَالَ: يَقُولُ:
وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لاَ وَالله يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ:
يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ
أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا،
وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ:
يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ. قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ:
لاَ وَالله مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ:
يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا
مَخَافَةً. قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّى قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ.
قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ: فِيهِمْ فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ
إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ».
(أخرجه البخارى (كتاب الدعوات/فضل الذكر الله
عز وجل/(6408)/دار الكتب العلمية).
نعم، من مضى عليه دقائق بدون ذكر الله عز وجل
سيندم. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «ما قعد قوم مقعدا لا
يذكرون الله عز و جل ويصلون على النبي صلى الله عليه و سلم إلا كان عليهم حسرة يوم
القيامة وان دخلوا الجنة للثواب». ("مسند الإمام أحمد" ((9965)/الرسالة) وصححه الإمام المجدد الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" رقم (1328) /دار الآثار).
5-
الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وقد أمر الله تعالى عباده بالصلاة والسلام على
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ]إِنَّ الله
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[ [الأحزاب/56]
ومما يدل على رفعة درجة المصلي على النبي -صلى الله
عليه وآله وسلم- أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: «من صلى على صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت
له عشر درجات». (أخرجه الإمام أحمد ((11998)/الرسالة) وحسنه
الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" رقم (89) /دار الآثار).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: في الفوائد
والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه: الأولى: امتثال أمر الله سبحانه وتعالى، الثانية:
موافقته سبحانه في الصلاة عليه وان اختلفت الصلاتان فصلاتنا عليه دعاء وسؤال وصلاة
الله تعالى عليه ثناء وتشريف كما تقدم، الثالثة: موافقة ملائكته فيها، الرابعة:
حصول عشر صلوات من الله على المصلي مرة، الخامسة: أنه يرفع عشر درجات،
السادسة: أنه يكتب له عشر حسنات، السابعة: أنه يمحي عنه عشر سيئات إلخ ("جلاء الأفهام" /الباب الرابع/ص521/دار عالم
الفوائد).
قلت
-عفى الله عني-: ولا بد أن يذكر أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي
من حقوقه علينا، لا أننا قد مننا عليه بها. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الثامنة
والثلاثون: أن الصلاة عليه أداء لأقل القليل من حقه وشكر له على نعمته التي أنعم
الله بها علينا مع أن الذي يستحقه من ذلك لا يحصى علما ولا قدرة ولا إرادة ولكن
الله سبحانه لكرمه رضي من عباده باليسير من شكره وأداء حقه اهـ. ("جلاء الأفهام" /الباب الرابع/ص534/دار عالم
الفوائد).
6-
إصلاح ذات البين
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة».
قالوا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين وفساد ذات البين الحالقة». (أخرجه أبو داود (كاب
الأدب/باب في إصلاح ذات البين/(4911)/عون)، والترمذي /صفة القيامة/باب – 56/(2509)/أحوذي)، وصححه الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" /رقم (1050)/دار الآثار).
قال العلامة المباركفوري رحمه الله: قَالَ
الْأَشْرَفُ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ النَّوَافِلُ دُونَ
الْفَرَائِضِ. قَالَ الْقَارِي: وَالله أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ إِذْ قَدْ
يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْإِصْلَاحُ فِي فَسَادٍ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ سَفْكُ
الدِّمَاءِ وَنَهْبُ الْأَمْوَالِ وَهَتْكُ الْحُرُمِ أَفْضَلُ مِنْ فَرَائِضِ
هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الْقَاصِرَةِ مَعَ إِمْكَانِ قَضَائِهَا عَلَى فَرْضِ
تَرْكِهَا فَهِيَ مِنْ حُقُوقِ الله الَّتِي هِيَ أَهْوَنُ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ
مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هَذَا
الْجِنْسُ مِنْ الْعَمَلِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لِكَوْنِ بَعْضِ
أَفْرَادِهِ أَفْضَلَ كَالْبَشَرِ خَيْرٌ مِنْ الْمَلَكِ ، وَالرَّجُلُ خَيْرٌ
مِنْ الْمَرْأَةِ اهـ. ("تحفة الأحوذي" / 7/ص255/دار الكتب العلمية).
ثم قال رحمه الله: وقال في "النهاية": الحالقة الخصلة التي من
شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر، وقيل هي قطيعة
الرحم والتظالم. قال الطيبي: فيه حث وترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب عن الإفساد
فيها؛ لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، وفساد ذات
البين ثلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة فوق ما يناله
الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه. فعلى هذا ينبغي أن يحمل الصلاة والصيام
على الإطلاق، والحالقة على ما يحتاج إليه أمر الدين اهـ. (نفس المصدر).
وقال الإمام أبو الطيب رحمه الله: (قَالَ: إِصْلَاح
ذَات الْبَيْن): أَيْ أَحْوَال بَيْنكُمْ يَعْنِي مَا بَيْنكُمْ مِنْ الْأَحْوَال
أُلْفَة وَمَحَبَّة كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ]وَالله عَلِيم
بِذَاتِ الصُّدُور[: وَهِيَ مُضْمَرَاتهَا. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِذَاتِ الْبَيْن
الْمُخَاصَمَة وَالْمُهَاجَرَة بَيْن اِثْنَيْنِ بِحَيْثُ يَحْصُل بَيْنهمَا
بَيْنٌ أَيْ فُرْقَة، وَالْبَيْن مِنْ الْأَضْدَاد الْوَصْل وَالْفَرْق اهـ. ("عون المعبود" / 13/ص178/دار الكتب العلمية).
7-
إكثار السجود
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: أنشأ رسول الله صلى
الله عليه وسلم غزوة فأتيته فقلت: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فقال: «اللهم
سلّمهم، وغنّمهم» قال: فسلِمْنا وغنِمْنا. قال: ثم أنشأ غزوا ثالثاً فأتيته فقلت:
يا رسول الله إنى أتيتك مرتين قبل مرتي هذه، فسألتك أن تدعو الله لي بالشهادة،
فدعوت الله عزّ وجلّ أن يسلمنا ويغنمنا، فسلمنا وغنمنا، يا رسول الله فادع الله لي
بالشهادة. فقال: «اللهم سلمهم وغنمهم» قال: فسلمنا وغنمنا. ثم أتيته فقلت: يا رسول
الله مرني بعمل، قال: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له». قال: فما رئي أبو أمامة ولا
امرأته ولا خادمه إلا صياماً. قال: فكان إذا رئي في دارهم دخان بالنهار قيل:
اعتراهم ضيف نزل بهم نازل. قال: فلبث بذلك ما شاء الله ثم أتيته فقلت: يا رسول
الله أمرتنا بالصيام فأرجو أن يكون قد بارك الله لنا فيه، يا رسول الله فمرني بعمل
آخر قال: «اعلم انك لن تسجد لله سجدة إلا رفع الله لك بها درجة، وحط عنك بها
خطيئة». (أخرجه الإمام أحمد رحمه الله (22141)/الرسالة، وصححه
الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" /رقم (488)/دار الآثار).
وعن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: لقيت ثوبان
مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة
أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال:
سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «عليك بكثرة السجود لله، فإنك
لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة». قال معدان ثم
لقيت أبا الدرداء -رضي الله عنه- فسألته فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. (أخرجه مسلم
/كتاب الصلاة/فضل السجود/(488)/دار ابن الجوزي).
وعن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيت
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل» فقلت: أسألك
مرافقتك في الجنة. قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة
السجود». (أخرجه مسلم /كتاب الصلاة/فضل السجود/(489)/دار ابن الجوزي).
عن الأحنف بن قيس قال : دخلت بيت المقدس فوجدت فيه
رجلا يكثر السجود فوجدت في نفسي من ذلك. فلما انصرف قلت: أتدري على شفع انصرفتَ أم
على وتر؟ قال: إن أك لا أدري فإن الله عز و جل يدرى، ثم قال: أخبرني حبّي أبو
القاسم صلى الله عليه وسلم، ثم بكى. ثم قال: أخبرني حبّي أبو القاسم صلى الله عليه
وسلم، ثم بكى. ثم قال: أخبرني حبّي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما
من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، وكتب له بها
حسنة». قال: قلت: أخبرني من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا أبو ذر صاحب رسول الله
صلى الله عليه وسلم. فتقاصرتُ إلي نفسي. (أخرجه الإمام أحمد رحمه الله ((21452)/الرسالة) وصححه الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" (271)/دار الآثار).
قال الإمام النووي رحمه الله: فيه الحث على كثرة
السجود، والترغيب، والمراد به السجود في الصلاة، وفيه دليل لمن يقول تكثير السجود
أفضل من إطالة القيام، وقد تقدمت المسألة والخلاف فيها في الباب الذي قبل هذا،
وسبب الحث عليه ما سبق في الحديث الماضي: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»
وهو موافق لقول الله تعالى: ]واسجد واقترب[
ولأن السجود غاية التواضع والعبودية لله تعالى، وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان
وأعلاها وهو وجهه من التراب الذي يداس ويمتهن. والله أعلم اهـ. ("المنهاج" /3 / ص 451/دار القلم).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: والسجود سرّ
الصلاة وركنها الاعظم وخاتمة الركعة. وما قبله من الأركان كالمقدمات له، فهو شبه
طواف الزيارة في الحج، فإنه مقصود الحج ومحلّ الدخول على الله وزيارته وما قبله
كالمقدمات له ولهذا: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»([2]). وأفضل الأحوال
له حال يكون فيها أقرب إلى الله، ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة.
ولما خلق الله سبحانه العبد من الأرض كان جديراً
بأن لا يخرج عن أصله بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطبع والنفس بالخروج عنه، فإن العبد
لو ترك لطبعه ودواعي نفسه لتكبّر وأشرّ وخرج عن أصله الذي خلق منه ولَوَثَبَ على
حق ربه من الكبرياء والعظمة، فنازعه أياهما، وأُمر بالسجود خضوعاً لعظمة ربه
وفاطره وخشوعاً له وتذللاً بين يديه وانكساراً، له فيكون هذا الخشوع والخضوع
والتذلل ردًّا له إلى حكم العبودية، ويتدارك ما حصل له من الهفوة والغفلة والإعراض
الذي خرج به عن أصله، فتمثل له حقيقة التراب الذي خلق منه. وهو يضع أشرف شيء منه وأعلاه
وهو الوجه وقد صار أعلاه أسفله خضوعا بين يدي ربه الأعلى وخشوعاً له وتذلّلاً
لعظمته واستكانةً لعزّته وهذا غاية خشوع الظاهر.
ثم
قال رحمه الله: وكان السجود أفضل أركانها الفعلية وسرّها الذي شرعت لأجله،
وكان تكرره في الصلاة أكثر من تكرر سائر الأركان وجعله خاتمة الركعة وغايتها، وشرع
فعله بعد الركوع فإن الركوع توطئة له ومقدمة بين يديه، وشرع فيه من الثناء على
الله ما يناسبه وهو قول العبد: (سبحان ربي الأعلى) فهذا أفضل ما يقال فيه
... إلخ. (انظر كاملا في "الصلاة وحكم
تاركها" له (ص 179-182)
فإنه مهم جدا).
استطراد:
إن
أهل التوحيد والفطرة في سجوده يقول –مع
الاعتقاد- كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سبحان ربي الأعلى».
(أخرجه مسلم (كتاب صلاة/استحباب تطويل
القراءة/(772)/دار ابن الجوزي) عن حذيفة رضي الله عنه).
وأما
الذي فتن بعلم الكلام ونحوه فإنه لا يعتقد أن الله أعلى ذاتاً.
الإمام
إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي رحمه الله صنف كتابا "الرد على الجهمية" وحكى فيه عن ابن الأعرابي، ثم قال: وسمعت داود بن
علي يقول: كان المريسي لا رحمه اللّه يقول: سبحان ربي الأسفل، وهذا جهل من
قائله، وردّ لنص الكتاب إذ يقول الله: ]أأمِنْتُم منْ
في السّماء[ سورة الملك آية 16. (نقله الإمام ابن القيم رحمه الله في "اجتماع الجيوش الإسلامية"/أقوال أئمة
اللغة / ص 266/مكتبة الرشد).
هذا
من سوء عواقب من يطلب الحق من غير القرآن والسنة ومنهج السلف. قال الإمام ابن أبي
العز رحمه الله يحكى عن بشر المريسي أنه سُمع وهو يقول في سجوده : سبحان ربي
الأسفل!! تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا . وإن من أفضى به
النفي إلى هذه الحال حري أن يتزندق، إن لم يتداركه الله برحمته، وبعيد من مثله
الصلاح، قال تعالى: ]وَنُقَلِّبُ
أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ[،
وقال تعالى: ]فَلَمَّا
زَاغُوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ[. فمن لم يطلب الاهتداء من مظانه يعاقب بالحرمان. نسأل الله
العفو والعافية اهـ. ("شرح العقيدة الطحاوية"/ص 272-273/دار ابن حزم).
فلا
بد من تحذير الأمة من البدع، ولا سيما علم الكلام والفلسفة، ونصحهم بالتمسك
بالكتاب والسنة على منهج السلف.
قال
فضيلة الشيخ أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله: ووالله لن يعود للمسلمين نصرهم وعزهم،
إلا إذا عادوا إلى المنبع الصافي والمورد العذب والسلسبيل الفياض، كتاب الله
المبين وحبله المتين وصراطه المستقيم، ثم السنة والآثار وطريق السلف الأخيار من
أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن تبعهم على الهدى في غابر الأزمنة وحاضرها من
جميع الأقطار وهذا هو ما أمر الله عزوجل به حيث يقول: ]وما آتاكم
الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب[
... إلخ ("المورد العذب
الزلال"/ للشيخ النجمي /الباب الحادي
عشر/ ص 291/دار الآثار).
قلت
–وفقني الله-: وليس شهر
رمضان سبباً لعدم محاربة البدع والانحرافات، لأن أهل الأهواء أيضاً لم يفتروا في
شهر رمضان من بثّ السموم في المسلمين. بل غزوة بدر وفتح مكة وقعتا في شهر رمضان.
8-
قراءة القرآن وتدبر معانيه
قال
الله تعالى: ]وَهَذَا
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ
أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا[ [الأنعام/92]
وقال
سبحانه: ]وَهَذَا
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ[ [الأنعام/155]
وقال
جل ذكره: ]كِتَابٌ
أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ
أُولُو الْأَلْبَابِ[ [ص/29]
وقال
عز وجل: ]أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا
فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[ [النساء/82]
وقال
تبارك وتعالى: ]أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا
فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[ [النساء/82]
وقال
سبحانه: ]أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[ [محمد/24]
ومما يدل على رفعة درجة أهل القرآن: عن عامر بن
واثلة رضي الله عنه أن نافع ابن عبدالحارث لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على
مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى قال: ومن ابن أبزى؟ قال:
مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل،
وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن الله
يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين». (أخرجه مسلم/كتاب صلاة
المسافرين/فضل من يقوم بالقرآن .../ (817)/دار ابن الجوزي).
وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ:
قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ
وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِى الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ
عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا». (أخرجه أبو داود (كتاب تفريع أبواب الوتر/كيف يستحب الترتيل/(1461)/عون)، والترمذي
(كتاب فضائل القرآن/باب -18/ (2914)/أحوذي) وحسنه الإمام الألباني رحمه الله كما في "المشكاة" (رقم (2134)/ مكتبة الإسلامي)،
والإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" (رقم (792)/دار الآثار).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: وهذا يحتمل شيئين
أن يكون منزلته عند آخر حفظه وأن تكون عند آخر تلاوته المحفوظة والله
أعلم اهـ. ("حادي الأرواح" /الباب الثالث
عشر/ص 84/مكتبة عباد
الرحمن).
وقال
رحمه الله: وهذا صريح في أن درج الجنة تزيد على مائة درجة اهـ. ("حادي الأرواح" /الباب السابع
عشر/ص 98/مكتبة عباد
الرحمن).
وقال الإمام أبو الطيب رحمه الله: (يقال): أي عند
دخول الجنة (لصاحب القرآن): أي من يلازمه بالتلاوة والعمل لا من يقرؤه ولا يعمل به،
(اقرأ وارتق): أي إلى درجات الجنة أو مراتب القرب، (ورتل): أي لا تستعجل في قراءتك
في الجنة التي هي لمجرد التلذذ والشهود الأكبر كعبادة الملائكة (كما كنت ترتل): أي
في قراءتك ، وفيه إشارة إلى أن الجزاء على وفق الأعمال كمية وكيفية (في الدنيا):
من تجويد الحروف ومعرفة الوقوف اهـ.
وقال
رحمه الله: ويؤخذ من الحديث أنه لا ينال هذا الثواب الأعظم إلا من حفظ القرآن
وأتقن أداءه وقراءته كما ينبغي له اهـ.
وقال
رحمه الله: وقال الطيبي : إن الترقي يكون دائما فكما أن قراءته في حال الاختتام
استدعت الافتتاح الذي لا انقطاع له كذلك هذه القراءة والترقي في المنازل التي لا
تتناهى ، وهذه القراءة لهم كالتسبيح للملائكة لا تشغلهم من مستلذاتهم بل هي أعظمها
اهـ.
وقال
رحمه الله: قال بعض العلماء: إن من عمل بالقرآن فكأنه يقرؤه دائما وإن لم يقرأه ،
ومن لم يعمل بالقرآن فكأنه لم يقرأه وإن قرأه دائما، وقد قال الله تعالى: ]كتاب أنزلناه إليك مبارك
ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب[ فمجرد التلاوة والحفظ لا يعتبر اعتبارا يترتب عليه المراتب العلية
في الجنة العالية اهـ. (كل في "عون المعبود" / تحت (1461)/دار الكتب
العلمية).
وقال
الإمام ابن القيم رحمه الله: والمقصود: التلاوة الحقيقية وهي تلاوة المعنى واتباعه
تصديقا بخبره وائتمارا بأمره وانتهاء بنهيه وائماما به حيث ما قادك انقدت معه
فتلاوة القرآن تتناول تلاوة لفظه ومعناه وتلاوة المعنى أشرف من مجرد تلاوة اللفظ
وأهلها هم أهل القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والاخرة فإنهم اهل تلاوة ومتابعة
حقا اهـ. ("مفتاح دار السعادة"/فصل ]معنى تلاوة القرآن[ /1 / ص 56/المكتبة
العصرية).
لا بد من الاعتناء بالقرآن ولا سيما في شهر رمضان
الذي قال الله تعالى فيه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ
الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾
[البقرة/185].
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مَن نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن
يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في
الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً
يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من
بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم
الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
(أخرجه مسلم /كتاب الذكر والدعاء/فضل الاجتماع على تلاوة القرآن/(2699)/دار ابن الجوزي).
وعن أبى موسى الأشعرى رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن كمثل الأترجة ، ريحها طيب
وطعمها طيب ، ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو
، ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن مثل الريحانة ، ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل
المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ، ليس لها ريح وطعمها مر». (أخرجه البخارى
(كتاب الأطعمة/ذكر الطعام/(5427)/دار الكتب العلمية)، ومسلم (كتاب صلاة المسافرين/فضيلة حافظ القرآن/(797)/دار ابن الجوزي))
وقد حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على تأسي
بنبي الله داود عليه السلام في كثرة قراءته لقرآنه –وهو الزبور-. عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى -
صلى الله عليه وسلم – قال: «خفف على
داود - عليه السلام - القرآن ، فكان يأمر بدوابه فتسرج ، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج
دوابه ، ولا يأكل إلا من عمل يده». (أخرجه البخارى /كتاب أحاديث
الأنبياء/قول الله تعالى: وآتينا
داود زبوراً/(3417)/دار الكتب العلمية).
9-
حسن الخلق
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ
رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ
الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ
الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِى
أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ». (أخرجه أبو داود (كتاب الأدب/في كراهية الرفعة في الأمور/(4792)/عون)، والحديث
حسن لغيره، انظر "الصحيحة"/(273)/ مكتبة المعارف).
وقال الإمام أبو الطيب رحمه الله: (الْمِرَاء):
أَيْ الْجِدَال كَسْرًا لِنَفْسِهِ كَيْلَا يَرْفَع نَفْسه عَلَى خَصْمه بِظُهُورِ
فَضْله اهـ. ("عون المعبود" / 13 / ص 109/دار الكتب
العلمية).
وعَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَا مِنْ شَىْءٍ يُوضَعُ
فِى الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ
لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ ». (أخرجه الترمذى (2003)،
وأبو داود (كتاب الأدب/في حسن الخلق/(4788)/عون) للفقرة الثانية عن عائشة رضي الله عنها، وأبو داود (4789/نفس المصدر) للفقرة الأولى عن أبو الدرداء رضي الله عنه، وصححه
الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" /رقم (1037)/دار الآثار).
وقال الإمام أبو الطيب رحمه الله: (دَرَجَة
الصَّائِم الْقَائِم): أَيْ قَائِم اللَّيْل فِي الطَّاعَة وَإِنَّمَا أُعْطِيَ
صَاحِب الْخُلُق الْحَسَن هَذَا الْفَضْل الْعَظِيم لِأَنَّ الصَّائِم
وَالْمُصَلِّي فِي اللَّيْل يُجَاهِدَانِ أَنْفُسهمَا فِي مُخَالَفَة حَظّهمَا ،
وَأَمَّا مَنْ يُحْسِن خُلُقه مَعَ النَّاس مَعَ تَبَايُن طَبَائِعهمْ وَأَخْلَاقهمْ
فَكَأَنَّهُ يُجَاهِد نُفُوسًا كَثِيرَة فَأَدْرَكَ مَا أَدْرَكَهُ الصَّائِم
الْقَائِم فَاسْتَوَيَا فِي الدَّرَجَة بَلْ رُبَّمَا زَادَ اهـ. ("عون المعبود"/ 13 / ص 107/دار الكتب
العلمية).
فحسن
الخلق من سموّ الأخلاق النبوية. قال الله تعالى لنبيه: ]وَإِنَّكَ
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ[ [القلم/4]
ومن
حسن الخلق: طيب الكلام في موضعه. قال تعالى: ]وَإِذْ
أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا الله
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا
لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ[
الآية [البقرة/83]
وقال
تعالى: ]وَعِبَادُ
الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا[ [الفرقان/63]
ومن
حسن الخلق: الرفق في موضعه.
عن
عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا
عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي
على ما سواه». (أخرجه مسلم (كتاب البر والصلة/فضل الرفق/(2593)/دار ابن الجوزي).
تنبيه: تحذير الأمة من أهل
الأهواء والباطل ليس من مساوئ الأخلاق. بل هذا من النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله،
ولجميع المسلمين كما في حديث تميم الداري رضي الله عنه. فارجع إلى شرحه في "المنهاج" للإمام النووي رحمه الله
وغير ذلك.
قال الإمام الذهبي رحمه الله: فتأمل هذه الكلمة
الجامعة، وهي قوله: «الدين النصيحة»، فمن لم ينصح لله وللائمة وللعامة، كان
ناقص الدين. وأنت لو دعيت، يا ناقص الدين، لغضبت. فقل لي: متى نصحت لهؤلاء؟
كلا والله، بل ليتك تسكت، ولا تنطق، أولا تحسن لإمامك الباطل، وتجرئه على الظلم
وتغشه. فمن أجل ذلك سقطتَ من عينه، ومن أعين المؤمنين. فبالله قل لي: متى يفلح من
كان يسُرُّه ما يضره؟ ومتى يفلح من لم يراقب مولاه؟ ومتى يفلح من دنا رحيله،
وانقرض جيله، وساء فعله وقيله؟ فما شاء الله كان، وما نرجو صلاح أهل الزمان، لكن
لا ندع الدعاء، لعل الله أن يلطف، وأن يصلحنا. آمين. ("سير أعلام النبلاء" / 11/ ص500/ترجمة الإمام
أحمد بن حنبل رحمه الله/الرسالة).
وكذلك
الشدة على من يستحقها ليس من مساوئ الأخلاق. والأدلة في هذا الباب كثيرة، منها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: اقتتلت امرأتان من
هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى
الله عليه و سلم فقضى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن دية جنينها غرة عبد أو
وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولد ومن معهم، فقال حمل بن النابغة
الهذلي: يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك
يطل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما هذا من إخوان الكهان» من
أجل سجعه الذي سجع. (أخرجه البخاري (كتاب الطب/الكهانة/(5758)/دار الكتب العلمية) ومسلم (كتاب القسامة/دية الجنين/(1681)/دار ابن الجوزي).
وعن المعرور عن أبى ذر رضي الله عنه، رأيت عليه
بردا وعلى غلامه بردا فقلت: لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة، وأعطيته ثوبا آخر. فقال:
كان بينى وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها فذكرني إلى النبى - صلى الله
عليه وسلم - فقال لى: «أساببت فلانا». قلت: نعم. قال: «أفنلت من أمه». قلت: نعم.
قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية». قلت: على حين ساعتى هذه من كبر السن؟ قال:
«نعم، هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما
يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه
عليه». (أخرجه البخارى (كتاب الأدب/ما ينهى من
السباب.../
(6050)/دار الكتب العلمية) ومسلم (كتاب
الأيمان/إطعام المملوك/(1661)/دار ابن الجوزي).
والأدلة في الشدة على مستحقيها كثيرة، لا نتركها من
أجل كراهية الناس، بل نعلّمهم هذا المنهج الصحيح، ونعوّدهم عليه إيماناً واحتساباً
وتسليماً.
10-
التواضع لله تعالى
عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع
أحد لله إلا رفعه الله». (أخرجه مسلم (كتاب البر والصلة/استحباب العفو
والتواضع/(2588)/دار ابن الجوزي)
وقال الإمام النووي رحمه الله: (ما نقصت صدقة من
مال) ذكروا فيه وجهين أحدهما معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات فينجبر نقص
الصورة بالبركة الخفية وهذا مدرك بالحس والعادة والثاني أنه وإن نقصت صورته كان في
الثواب المرتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة. (وما زاد الله عبدا بعفو
إلا عزّاً) فيه أيضا وجهان أحدهما على ظاهره ومن عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في
القلوب وزاد عزه وإكرامه والثاني أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك (وما تواضع
أحد لله إلا رفعه الله) فيه أيضا وجهان أحدهما: يرفعه في الدنيا، ويثبت له بتواضعه
في القلوب منزلة ويرفعه الله عند الناس ويجلّ مكانه. والثاني: أن المراد ثوابه في
الآخرة ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا. قال العلماء: وهذه الأوجه في الألفاظ
الثلاثة موجودة في العادة معروفة، وقد يكون المراد الوجهين معا في جميعها في
الدنيا والآخرة، والله أعلم اهـ. ("المنهاج"16/ /ص378/مكتبة المعارف).
11-
إسباغ الوضوء على المكاره
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟»
قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى
المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط». (أخرجه مسلم /كتاب الطهارة/فضل إسباغ
الوضوء على المكاره/(233)/دار ابن الجوزي).
ونقل الإمام النووي رحمه الله عن القاضي رحمه الله:
(وَرَفْع الدَّرَجَات) إِعْلَاء الْمَنَازِل فِي الْجَنَّة، وَإِسْبَاغ الْوُضُوء
تَمَامه، وَالْمَكَارِه تَكُون بِشِدَّةِ الْبَرْد وَأَلَمِ الْجِسْم وَنَحْو
ذَلِكَ، وَكَثْرَة الْخُطَا تَكُون بِبُعْدِ الدَّار وَكَثْرَة التَّكْرَار (وَانْتِظَار
الصَّلَاة بَعْد الصَّلَاة)، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ: هَذَا
فِي الْمُشْتَرِكَتَيْنِ مِنْ الصَّلَوَات فِي الْوَقْت وَأَمَّا غَيْرهمَا فَلَمْ
يَكُنْ مِنْ عَمَل النَّاس. وَقَوْله: (فَذَلِكُمْ الرِّبَاط) أَيْ الرِّبَاط
الْمُرَغَّب فِيهِ، وَأَصْل الرِّبَاط الْحَبْس عَلَى الشَّيْء كَأَنَّهُ حَبَسَ
نَفْسه عَلَى هَذِهِ الطَّاعَة. قِيلَ: وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَفْضَل الرِّبَاط
كَمَا قِيلَ الْجِهَاد جِهَاد النَّفْس، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ الرِّبَاط
الْمُتَيَسِّر الْمُمْكِن أَيْ أَنَّهُ مِنْ أَنْوَاع الرِّبَاط . هَذَا آخِر
كَلَام الْقَاضِي وَكُلّه حَسَن إِلَّا قَوْل الْبَاجِيّ فِي اِنْتِظَار الصَّلَاة
فَإِنَّ فِيهِ نَظَرًا . وَالله أَعْلَم اهـ. ("المنهاج"
/3
/ ص 143-144/مكتبة المعارف)
وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: وهذا
الحديث من أحسن ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال. وأما
قوله: «إسباغ الوضوء على المكاره» فالاسباغ الإكمال والإتمام في اللغة، من ذلك قول
الله عز و جل: ]وأسبغ عليكم
نعمه ظاهرة وباطنة[ يعني أتمها عليكم وأكملها. وإسباغ الوضوء أن تأتي بالماء على كل
عضو يلزمك غسله وتعمه كله بالماء وجر اليد وما لم تأت عليه بالماء منه فلم تغسله
بل مسحته، ومن مسح عضواً يلزمه غسله فلا وضوء له ولا صلاة حتى يغسل ما أمر الله
بغسله على حسبما وصفت لك. فأما قوله: «على المكاره» فقيل: أراد البرد وشدته،
وكل حال يكره المرء فيها نفسه، فدفع وسوسة الشيطان في تكسيله إياه عن الطاعة
والعمل الصالح، والله أعلم اهـ. ("التمهيد" /كتاب جامع
الصلاة/انتظار الصلاة/5/ص83-84 /ط. الفاروق الحديثية للطباعة)
12-
إكثار الخطوات إلى المسجد للصلاة
وقد سبق من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم (2588) مع
شرحه.
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كانت
ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: «إن لكم بكل خطوة درجة». (أخرجه مسلم /كتاب المساجد/فضل كثرة الخطا
إلى المساجد/(664)/دار ابن الجوزي).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «من تطهّر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من
فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة». (أخرجه
مسلم /كتاب المساجد/المشي إلى الصلاة/(666)/ابن الجوزي).
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: من سرّه أن
يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع
لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في
بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم،
وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له
بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا
وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين
الرجلين حتى يقام في الصف. (أخرجه مسلم /كتاب المساجد/صلاة الجماعة/(654)/دار ابن الجوزي).
13-
انتظار الصلاة بعد الصلاة
وقد سبق من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم (2588) مع
شرحه.
قال الإمام ابن العثيمين رحمه الله: ثالثاً: انتظار
الصلاة بعد الصلاة، يعني أن الإنسان من شدة شوقه إلى الصلوات، كلما فرغ من صلاة،
فقلبه متعلق بالصلاة الأخرى ينتظرها، فإن هذا يدلّ على إيمانه ومحبته وشوقه لهذه
الصلوات العظيمة، التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني
في الصلاة»([3]). فإذا كان
ينتظر الصلاة بعد الصلاة، فإن هذا مما يرفع الله به الدرجات، ويكفر به الخطايا.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «فذلكم الرباط» أصل
الرباط: الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها، وهذا من أعظم
الإعمال، فلذلك شبه به ما ذكر من الأفعال الصالحة والعبادة في هذا الحديث، أي أن
المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله. وقيل: إن الرباط
هاهنا اسم لما يربط به الشيء، والمعنى: أن هذه الخلال تربط صاحبها عن المعاصي وتكفه
عنها اهـ. ("شرح رياض
الصالحين" /1 / تحت رقم (131)/دار السلام).
14-
طلب العلم الشرعي
قال الله تعالى: ]وَتِلْكَ
حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ
نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ[ [الأنعام/83].
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: (تلك) إشارة إلى
جميع احتجاجاته حتى خاصمهم وغلبهم بالحجة...-إلى قوله:- (نرفع درجات من نشاء) أي
بالعلم والفهم والإمامة والملك اهـ. ("الجامع
لأحكام القرآن" /17/ص253/دار الكتاب
العربي)
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: الوجه الثالث
والعشرون: أنه سبحانه ذكر مناظرة إبراهيم لأبيه وقومه وغلبته لهم بالحجة وأخبر عن
تفضيله بذلك ورفعه درجته بعلم الحجة …
إلخ ("مفتاح دار
السعادة" /1 / ص 68/المكتبة العصرية).
وقال الله سبحانه: ]نَرْفَعُ
دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ[ [يوسف/76].
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: جاء في تفسيرها
نرفع درجات من نشاء بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته بالعلم اهـ. ("مفتاح دار السعادة"/1 / ص 212/المكتبة
العصرية).
وقال ربنا جل وعلا: ]يَرْفَعِ الله
الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَالله
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[ [المجادلة/11]
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: أي في الثواب في
الآخرة وفي الكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس
بعالم. وقال ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية. والمعنى أنه يرفع الله
الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم (درجات) أي درجات في دينهم إذا
فعلوا ما أمروا به اهـ. ("الجامع لأحكام
القرآن" /17/ص253/دار الكتاب
العربي).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: فصل: وقوله تعالى: ]يرفع الله الذين آمنوا
منكم والذين أوتوا العلم درجات[ خص سبحانه رفعه بالأقدار والدرجات الذين أوتوا العلم والإيمان وهم
الذين استشهد بهم فى قوله تعالى: ]شهد الله أنه
لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط[ وأخبر أنهم هم الذين يرون ما أنزل إلى الرسول هو الحق بقوله تعالى:
]ويرى الذين
أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق[ فدل على أن تعلم الحجة والقيام بها يرفع درجات من يرفعها كما قال
تعالى: ]نرفع درجات من
نشاء[.
قال زيد بن أسلم بالعلم فرفع الدرجات والأقدار
على قدر معاملة القلوب بالعلم والإيمان فكم ممن يختم القرآن فى اليوم مرة أو مرتين
وآخر لا ينام الليل وآخر لا يفطر وغيرهم أقل عبادة منهم وأرفع قدرا فى قلوب الأمة
فهذا كرز بن وبرة وكهمس وابن طارق يختمون القرآن فى الشهر تسعين مرة، وحال ابن
المسيب وابن سيرين والحسن وغيرهم فى القلوب أرفع اهـ. ("مجموع الفتاوى"/16 / ص 48-49/ط. مكتبة ابن
تيمية)
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: الوجه الثامن والثلاثون
بعد المائة أن العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة مالا يرفعه الملك ولا المال ولا
غيرهما فالعلم يزيد الشريف شرفا ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك – ثم ذكر الحديث- اهـ. ("مفتاح دار السعادة" /1 / ص 202/المكتبة
العصرية).
15-
مصائب المؤمنين
لا نودّ أن نصاب بالابتلآت، بل نسأل الله العافية.
ولكنا نؤمن أن الله إذا ابتلى عبده المؤمن بمصيبة فإنها خير له، منها رفع الدرجة.
عن الأسود رحمه الله قال: دخل شباب من قريش على
عائشة -رضي الله عنه- وهي بمنى وهم يضحكون فقالت: ما يضحككم؟ قالوا: فلان خرّ على
طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب. فقالت: لا تضحكوا، فإني سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة
ومحيت عنه خطيئة». (أخرجه مسلم /كتاب البر
الصلة/ثواب المؤمن .../ (2572)/دار ابن الجوزي)
قال الإمام النووي رحمه الله: فيه النهي عن الضحك
من مثل هذا إلا أن يحصل غلبة لا يمكن دفعه، وأما تعمده فمذموم ؛ لأن فيه إشماتا
بالمسلم وكسرا لقلبه... –إلى قوله:- في
هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين ، فإنه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من
هذه الأمور. وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها، إن قلت
مشقتها. وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور، وزيادة الحسنات، وهذا هو الصحيح الذي عليه
جماهير العلماء. وحكى القاضي عن بعضهم أنها تكفر الخطايا فقط، ولا ترفع درجة، ولا
تكتب حسنة. قال: وروي نحوه عن ابن مسعود قال: الوجع لا يكتب به أجر، لكن تكفر به الخطايا
فقط، واعتمد على الأحاديث التي فيها تكفير الخطايا، ولم تبلغه الأحاديث التي ذكرها
مسلم المصرحة برفع الدرجات، وكتب الحسنات اهـ. ("المنهاج"
/16/ص364/مكتبة المعارف).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل فما
يزال الله يبتليه بما يكره، حتى يبلغه إياها».
(أخرجه أبو يعلى (6095)/دار المأمون
للتراث)، وغيره.
سند
الحديث حسن، وحسنه أيضا الإمام الألباني رحمه الله في "الصحيحة"
(رقم (1599)/مكتبة المعارف).
وقال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا
لعلو الدرجة وعظيم الأجر ... إلخ. ("مجموع الفتاوى"/28 / ص 152-153/ط. مكتبة ابن
تيمية)
16-
الوالد الصالح
قال الله تعالى: ]وَالَّذِينَ
آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ
بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ[ [الطور/21].
قال
ابن كثير رحمه الله: يخبر تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه: أن
المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يُلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم
يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن
الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل، بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته،
للتساوي بينه وبين ذاك؛ ولهذا قال: ]أَلْحَقْنَا
بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ[.
("تفسير القرآن
العظيم"/ 4/ ص 311/دار الصديق).
هل
المقصود من قوله (ذُرِّيَّتُهُمْ) هنا من قد بلغ منهم أم لم يبلغ؟
قال
الإمام ابن القيم رحمه الله: واختصاص الذرية ههنا بالصغار أظهر لئلا يلزم استواء
المتأخرين بالسابقين في الدرجات، ولا يلزم مثل هذا في الصغار فإنّ أطفال كل رجل وذريته
معه في درجته، والله اعلم اهـ. ("حادي الأرواح"/ص 435/مكتبة عباد الرحمن).
فوالله،
إن فضل الوالدين على أولاده عظيمة، لا يمكن لهم إجزاؤه.
عن
أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجزي ولد والدا إلا أن
يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه وفي رواية ابن أبي شيبة ولد والده». (أخرجه مسلم /كتاب العتق/فضل عتق الوالد/(1510)/دار ابن الجوزي)
فعلينا
برّ والدينا. وقد جعل الله حقهم فوق كثير من الحقوق الآدمية. قال الله تعالى: ]وَاعْبُدُوا الله وَلَا
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ الله
لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا[ [النساء/36]
17-
الولد الصالح
قال الله تعالى: ]جَنَّاتُ
عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ
وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ *
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار[
[الرعد/23، 24].
قال ابن كثير رحمه الله: أي: يجمع بينهم وبين
أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من
المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير
تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانًا من الله وإحسانا ... إلخ ("تفسير القرآن العظيم"/2/ص 688/دار /دار الصديق).
وقال القرطبي رحمه الله: ويجوز أن يكون المعنى:
يدخلونها ويدخلها من صلح من آبائهم، أي من كان صالحا، لا يدخلونها بالأنساب. ويجوز
أن يكون موضع ]مِن[
نصبا على تقدير: يدخلونها مع من صلح من آبائهم، وإن لم يعمل مثل أعمالهم يلحقه
الله بهم كرامة لهم اهـ. ("الجامع لأحكام
القرآن"/ 9/ ص 265/دار الكتاب العربي).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا
رب أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك». (أخرجه الإمام أحمد ((10610)/الرسالة)، وغيره وحسنه الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" رقم (1389) /دار الآثار).
18-
الدعاء لرفع الدرجة
فمن دعا الله أن يرفع درجته فإن البرّ الرحيم قال: ]وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ
مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ
الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[ [إبراهيم/34]
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فمن ألهم الدعاء
فقد أريد به الإجابة فإن الله سبحانه يقول: ]إدعوني أستجب
لكم[ [غافر/60]. وقال: ]وإذا سألك
عبادي عنى فأني قريب أجيب دعوة الداع أذا دعان[ [البقرة/186] إلخ ("الداء والدواء" /فصل ]بين القضاء والدعاء[ / ص24/دار ابن الجوزي).
وقال رحمه الله: وقد جعل الله سبحانه لكل مطلوب
مفتاحا يفتح به فجعل مفتاح الصلاة الطهور كما قال مفتاح الصلاة الطهارة ومفتاح
الحج الإحرام ومفتاح البر الصدق ومفتاح الجنة التوحيد ومفتاح العلم حسن السؤال حسن
الإصغاء ومفتاح النصر والظفر الصبر ومفتاح المزيد الشكر ومفتاح الولاية المحبة
والذكر ومفتاح الفلاح التقوى ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة ومفتاح الإجابة الدعاء
ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله
عباده إلى التفكر فيه ومفتاح الدخول على الله إسلام القلب وسلامته له والإخلاص له
في الحب والبغض والفعل والترك ومفتاح حياة القلب تدبر القرآن والتضرع بالأسحار
وترك الذنوب ومفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الخالق والسعي في نفع عبيده
ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى ومفتاح العز طاعة الله ورسوله ومفتاح
الاستعداد للآخرة قصر الأمل ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة ومفتاح كل
شر حب الدنيا وطول الأمل وهذا باب عظيم من انفع أبواب العلم وهو معرفة مفاتيح الخير
والشر لا يوفق لمعرفته ومراعاته إلا من عظم حظه وتوفيقه ... إلخ. ("حادي الأرواح" /الباب الرابع
عشر/
ص 86/مكتبة عباد الرحمن)
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى
الله عليه وسلم أتاه بين أبي بكر وعمر وعبد الله يصلي فافتتح النساء فسحلها فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة
بن أم عبد» ثم تقدم يسأل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سل تعطه سل تعطه»
فقال فيما سأل: اللهم إني أسألك إيمانا لا يرتد ونعيما لا ينفد ومرافقة نبيك
محمد صلى الله عليه و سلم في أعلى جنة الخلد. قال: فأتى عمر رضي الله عنه عبد
الله ليبشره فوجد أبا بكر رضوان الله عليه قد سبقه فقال: إن فعلتَ لقد كنت سباقا
بالخير. (أخرجه الإمام أحمد ((4255)/الرسالة)،
وحسنه الإمام الوادعي رحمه الله في "الجامع
الصحيح"/4/ص73/دار الآثار).
وكذلك إن دعا الله ليرفع درجة غيره، فإن الله سميع
الدعاء.
وعَنْ أَبِى مُوسَى رضى الله عنه قَالَ: لَمَّا
فَرَغَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ
عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِىَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ
دُرَيْدٌ وَهَزَمَ الله أَصْحَابَهُ. قَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِى مَعَ أَبِى
عَامِرٍ، فَرُمِىَ أَبُو عَامِرٍ فِى رُكْبَتِهِ ، رَمَاهُ جُشَمِىٌّ بِسَهْمٍ
فَأَثْبَتَهُ فِى رُكْبَتِهِ ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ
رَمَاكَ فَأَشَارَ إِلَى أَبِى مُوسَى فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِى الَّذِى رَمَانِى.
فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ فَلَمَّا رَآنِى وَلَّى فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ
أَقُولُ لَهُ: أَلاَ تَسْتَحِى، أَلاَ تَثْبُتُ. فَكَفَّ فَاخْتَلَفْنَا
ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ، فَقَتَلْتُهُ ثُمَّ قُلْتُ لأَبِى عَامِرٍ: قَتَلَ الله
صَاحِبَكَ. قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ
الْمَاءُ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِى أَقْرِئِ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -
السَّلاَمَ، وَقُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِى. وَاسْتَخْلَفَنِى أَبُو عَامِرٍ عَلَى
النَّاسِ، فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ، فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِىِّ
- صلى الله عليه وسلم - فِى بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ
قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا
وَخَبَرِ أَبِى عَامِرٍ، وَقَالَ: قُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا بِمَاءٍ
فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللهمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي
عَامِرٍ». وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللهمَّ اجْعَلْهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ». فَقُلْتُ:
وَلِي فَاسْتَغْفِرْ. فَقَالَ: «اللهمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ
ذَنْبَهُ وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلاً كَرِيمًا». قَالَ أَبُو
بُرْدَةَ: إِحْدَاهُمَا لأَبِى عَامِرٍ، وَالأُخْرَى لأَبِى مُوسَى. (أخرجه
البخارى/كتاب المغازي/غزوة أوطاس/(4323)/دار الكتب
العلمية).
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى
الله عليه وسلم على أبي سلمة، وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه
البصر» فضجّ ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة
يؤمنون على ما يقولون» ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين،
واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وافسح له في قبره،
ونوّر له فيه». (أخرجه مسلم /كتاب الجنائز/في إغماد الميت/(920)/دار ابن الجوزي).
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: اللهم!
تقبّل شفاعة محمد الكبرى ، وارفع درجته العليا، وآته سؤله في الآخرة والأولى، كما
آتيت إبراهيم وموسى. (أخرجه عبد الرزاق /باب الصلاة على
النبي صلى الله عليه وآله وسلم/(3104)/المكتب
الإسلامي)، وغيره بسند صحيح، وقد صححه الإمام الوادعي رحمه الله في "الشفاعة" رقم (25) /دار الآثار)
واللهُ لا يضيّع أجر الداعي لأخيه.
عن أم الدرداء رحمه الله قالت: حدثني سيدي –وهو أبو الدرداء رضي الله عنه-: أنه سمع
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل
به: آمين، ولك بمثل». (أخرجه مسلم /كتاب الذكر
والدعاء/فضل الدعاء للمسلمين .../(2732)/ دار ابن
الجوزي).
قال الإمام النووي رحمه الله: أَمَّا قَوْله صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بِظَهْرِ الْغَيْب) فَمَعْنَاهُ: فِي غَيْبَة
الْمَدْعُوّ لَهُ، وَفِي سِرّه؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغ فِي الْإِخْلَاص ...-إلى قوله:-
وَفِي هَذَا فَضْل الدُّعَاء لِأَخِيهِ الْمُسْلِم بِظَهْرِ الْغَيْب، وَلَوْ
دَعَا لِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَصَلَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَة، وَلَوْ دَعَا
لِجُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ فَالظَّاهِر حُصُولهَا أَيْضًا، وَكَانَ بَعْض السَّلَف
إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُو لِنَفْسِهِ يَدْعُو لِأَخِيهِ الْمُسْلِم بِتِلْكَ
الدَّعْوَة؛ لِأَنَّهَا تُسْتَجَاب، وَيَحْصُل لَهُ مِثْلهَا اهـ. ("المنهاج" /17/ص53-54/مكتبة المعارف).
19-
طاعة الله واتباع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم تنفيذا للمحبة
قال تعالى: ]وَمَنْ يُطِعِ الله
وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ
أُولَئِكَ رَفِيقًا[ [النساء/69]
عَنْ أَنَسٍ رضى الله عنه أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ
النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟
قَالَ: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا». قَالَ: لاَ شَىْءَ إِلاَّ أَنِّى أُحِبُّ الله
وَرَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - . فَقَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».
قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَىْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِىِّ - صلى الله
عليه وسلم -: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ
النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ
مَعَهُمْ بِحُبِّى إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ. (أخرجه
البخارى/كتاب فضائل أصحاب النبي/مناقب عمر/ (3688)/دار الكتب
العلمية)
وعند
مسلم /كتاب البر والصلة/باب المرء مع من أحب/(2689)/ دار ابن الجوزي) قال الأعرابي: (مَا أَعْدَدْت
لَهَا كَثِير صَلَاة وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة).
وقال
النووي رحمه الله: وَقَوْله: (مَا أَعْدَدْت لَهَا كَثِير صَلَاة وَلَا صِيَام
وَلَا صَدَقَة) أَيْ: غَيْر الْفَرَائِض مَعْنَاهُ مَا أَعْدَدْت لَهَا كَثِير
نَافِلَة مِنْ صَلَاة وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة . ("المنهاج"
/16
/ ص 426-427/مكتبة المعارف).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: والرسل صلوات الله
وسلامه عليهم عليهم البلاغ المبين وقد بلغوا البلاغ المبين وخاتم الرسل محمد أنزل
الله كتابه مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فهو الأمين على جميع الكتب
وقد بلغ أبين البلاغ وأتمه وأكمله وكان أنصح الخلق لعباد الله وكان بالمؤمنين
رؤوفا رحيما بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه
اليقين، فأسعد الخلق وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة أعظمهم اتباعا وموافقة له علما
وعملا اهـ. ("مجموع الفتاوى" /4 /ص 26/ط. مكتبة ابن
تيمية).
20-
تحري أن يتكلم بما يرضي اللهَ تعالى
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: عَنِ
النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «إِنَّ
الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله لاَ يُلْقِى لَهَا
بَالاً، يَرْفَعُ الله بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ
بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِى
جَهَنَّمَ». (أخرجه البخارى/كتاب الرقاق/حفظ اللسان/(6478)/دار الكتب
العلمية)
قال المُلَّا علي القاري رحمه الله: أي: من كلام
فيه رضاه لا يلقي -بضمّ الياء وكسر القاف- أي: لا يرى لها أي: لتلك الكلمة بالاً
أي: شأناً أو بأساً يرفع الله أي: له بها أي: بتلك الكلمة درجات. والمعنى: إن
العبد لا يعرف قدرها ويظنها هينة قليلة الاعتبار وهي عند الله عظيمة الاقتدار
والجملة مستأنفة بيان للموجب كأن قائلا يقول ماذا يستحق بعد قيل له يرفع الله
بها درجات. وفي بعض النسخ بفتح الياء والقاف، والمعنى: لا يجد لها عظمة عنده
ولا يلتفت عاقبتها عند ربه والجملة حال من ضمير يتكلم في النهاية أي لا يستمع
إليها ولا يجعل قلبه نحوها اهـ وفيه حثّ على التدبر والتفكر عند التكلم. وفي "شرح المشارق" أنه يفتحهما ورفع البال،
فالبال على هذا بمعنى الحال، والظاهر أنه في "المصابيح" كذلك فإنه قال
شارحه زين العرب: أي: لا يلحقه بأس وتعب في قولها أولا ولا يحضر باله أي قلبه لما
يقوله منها أو هو من قولهم ليس هذا من بالي أو مما أباليه. والمعنى: أنه يتكلم
بكلمة الحق يظنها قليلة وهي عند الله جليلة فيحصل له رضوان الله، وقد يتكلم
بسوء ولا يعلم أنه كذلك وهو عند الله ذنب عظيم فيحصل له السخط من الله، وهذا معنى
قوله: «وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله» أي: مما يوجب غضبه لا يلقي لها بالا
يهوي بكسر الواو أي يخوض ويقع ويسقط بها أي بتلك الكلمة في جهنم رواه البخاري،
وكذا الإمام أحمد اهـ. )"مرقاة المفاتيح"/كتاب الآداب/حفظ اللسان/تحت رقم (4813)/المكتبة التجارية).
21-
صلاة الفريضة جماعة
عن أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلاَةُ الرَّجُلِ فِى الْجَمَاعَةِ
تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِى بَيْتِهِ وَفِى سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ
ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ
خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ الصَّلاَةُ ، لَمْ يَخْطُ
خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ ،
فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّى عَلَيْهِ مَا دَامَ فِى مُصَلاَّهُ
اللهمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللهمَّ ارْحَمْهُ . وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِى صَلاَةٍ
مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ». (أخرجه البخارى (كتاب الأذان/فضل صلاة
الجماعة/(647)/دار الكتب العلمية) ومسلم/كتاب المساجد/فضل صلاة الجماعة/ (649)/ابن الجوزي)
في
رواية: خمس وعشرون درجة. (أخرجه البخارى (كتاب تفسير القرآن/قوله تعالى: إن
قرآن الفجر كان مشهودا/(4717)/دار الكتب
العلمية) ومسلم ((649)/نفس المصدر))
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وَقَدْ خَاضَ قَوْمٌ
فِي تَعْيِين الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة لِلدَّرَجَاتِ الْمَذْكُورَة ، -إلى
قوله:- وَقَدْ نَقَّحْت مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَحَذَفْت مَا لَا
يَخْتَصّ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَة: فَأَوَّلُهَا إِجَابَة الْمُؤَذِّن بِنِيَّةِ
الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة، وَالتَّبْكِير إِلَيْهَا فِي أَوَّلَ الْوَقْت،
وَالْمَشْي إِلَى الْمَسْجِد بِالسَّكِينَةِ، وَدُخُول الْمَسْجِد دَاعِيًا،
وَصَلَاة التَّحِيَّة عِنْدَ دُخُوله كُلّ ذَلِكَ بِنِيَّةِ الصَّلَاة فِي
الْجَمَاعَة، سَادِسهَا اِنْتِظَار الْجَمَاعَة، سَابِعهَا صَلَاة
الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ وَاسْتِغْفَارهمْ لَهُ، ثَامِنهَا شَهَادَتهمْ لَهُ،
تَاسِعهَا إِجَابَة الْإِقَامَة، عَاشِرهَا السَّلَامَة مِنْ
الشَّيْطَان حِينَ يَفِرُّ عِنْدَ الْإِقَامَة، حَادِي عَاشِرهَا
الْوُقُوفُ مُنْتَظِرًا إِحْرَامَ الْإِمَام أَوْ الدُّخُول مَعَهُ فِي أَيِّ
هَيْئَة وَحْدَهُ عَلَيْهَا، ثَانِي عَشْرهَا إِدْرَاكُ تَكْبِيرَة
الْإِحْرَام كَذَلِكَ، ثَالِث عَشْرهَا تَسْوِيَة الصُّفُوف وَسَدُّ
فُرَجِهَا، رَابِع عَشْرهَا جَوَاب الْإِمَام عِنْدَ قَوْله سَمِعَ الله
لِمَنْ حَمِدَهُ، خَامِس عَشْرهَا الْأَمْنُ مِنْ السَّهْو غَالِبًا
وَتَنْبِيهُ الْإِمَام إِذَا سَهَا بِالتَّسْبِيحِ أَوْ الْفَتْح عَلَيْهِ، سَادِس
عَشْرهَا حُصُولُ الْخُشُوع وَالسَّلَامَة عَمَّا يُلْهِي غَالِبًا، سَابِع
عَشْرهَا تَحْسِينُ الْهَيْئَة غَالِبًا، ثَامِن عَشْرهَا اِحْتِفَافُ
الْمَلَائِكَة بِهِ، تَاسِع عَشْرهَا التَّدَرُّبُ عَلَى تَجْوِيدِ
الْقِرَاءَةِ وَتَعَلُّمِ الْأَرْكَان وَالْأَبْعَاض، الْعِشْرُونَ
إِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام، الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ إِرْغَام
الشَّيْطَان بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْعِبَادَة وَالتَّعَاوُن عَلَى الطَّاعَة
وَنَشَاط الْمُتَكَاسِل، الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ السَّلَامَة مِنْ صِفَة
النِّفَاق وَمِنْ إِسَاءَة غَيْره الظَّنّ بِأَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاة رَأْسًا، الثَّالِث
وَالْعِشْرُونَ رَدُّ السَّلَام عَلَى الْإِمَام، الرَّابِع وَالْعِشْرُونَ
الِانْتِفَاع بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الدُّعَاء وَالذِّكْر وَعَوْدُ بَرَكَة
الْكَامِل عَلَى النَّاقِص، الْخَامِس وَالْعِشْرُونَ قِيَام نِظَام
الْأُلْفَة بَيْنَ الْجِيرَان وَحُصُول تَعَاهُدِهِمْ فِي أَوْقَات الصَّلَوَات.
فَهَذِهِ خَمْس وَعِشْرُونَ خَصْلَةً وَرَدَ فِي كُلّ مِنْهَا أَمْرٌ أَوْ
تَرْغِيب يَخُصُّهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَمْرَانِ يَخْتَصَّانِ
بِالْجَهْرِيَّةِ وَهُمَا الْإِنْصَات عِنْدَ قِرَاءَة الْإِمَام وَالِاسْتِمَاع
لَهَا وَالتَّأْمِين عِنْدَ تَأْمِينه لِيُوَافِقَ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَة، وَبِهَذَا
يَتَرَجَّحُ أَنَّ السَّبْع تَخْتَصّ بِالْجَهْرِيَّةِ وَالله أَعْلَم اهـ. ("فتح الباري" /كتاب الأذان/فضل صلاة الجماعة/2 / ص 174/دار السلام).
هذه بعض الأعمال والأحوال
ترفع بها درجة العبد عند الله تعالى.
وأما ما روي عن عمر رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله
-صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله
وَحْدَهُ لاَ شَرِيكُ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِى وَيُمِيتُ
وَهُوَ حَىٌّ لاَ يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
كَتَبَ الله لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ
وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ ». (أخرجه الترمذى (كتاب الدعوات /باب -37/(3428)/أحوذي) وقَالَ:
(هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وابن ماجه (كتاب التجارات/الأسواق
ودخولها/(2235)/دار السلام).
قال المنذري رحمه الله: إسناده متصل حسن ورواته
ثقات أثبات، وفي أزهر بن سنان خلاف، وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به وقال الترمذي:
في رواية له مكان (ورفع له ألف ألف درجة) (وبنى له بيتا في الجنة). ورواه بهذا
اللفظ ابن ماجه وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه كلهم من رواية عمرو بن دينار قهرمان
آل الزبير عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن جده. ورواه الحاكم أيضا من حديث عبد
الله بن عمر مرفوعا أيضا وقال: (صحيح الإسناد) كذا قال، وفي إسناده مرزوق بن
المرزبان يأتي الكلام عليه اهـ ("الترغيب
والترهيب" /في ذكر الله في الأسواق.../ (2523)/دار ابن كثير).
قال
ابن حجر رحمه الله: أزهر بن سنان ضعيف.
وقال
الشوكاني رحمه الله: والحديث أقلّ أحواله أن يكون حسناً وإن كان في ذكر العدد على
هذه الصفة نكارة اهـ ("تحفة الذاكرين
بعدة الحصن الحصين"/ الباب السابع/ص180/دار الكتاب
العربي).
وقال
الإمام الألباني رحمه الله: حسن لغيره ("صحيح
الترغيب" /رقم (1694)/مكتبة المعارف).
وقال
شيخنا يحيى حفظه الله : الحديث حسن لغيره ما عدا لفظ «وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ
دَرَجَةٍ».
وقال
الإمام الطيبي رحمه الله: (مَنْ دَخَلَ السُّوقَ): خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ
مَكَانُ الْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ الله وَالِاشْتِغَالِ بِالتِّجَارَةِ فَهُوَ
مَوْضِعُ سَلْطَنَةِ الشَّيْطَانِ وَمَجْمَعُ جُنُودِهِ فَالذَّاكِرُ هُنَاكَ
يُحَارِبُ الشَّيْطَانَ وَيَهْزِمُ جُنُودَهُ فَهُوَ خَلِيقٌ بِمَا ذُكِرَ مِنْ
الثَّوَابِ اِنْتَهَى .
وقال
رحمه الله: فَمَنْ ذَكَرَ الله فِيهِ دَخَلَ فِي زُمْرَةِ مَنْ قَالَ تَعَالَى فِي
حَقِّهِمْ " رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله
" (نقله المباركفوري رحمه الله في "تحفة
الأحوذي" /كتاب الدعوات /ما يقول إذا دخل السوق/9/ص359/دار إحياء التراث).
قال
تعالى: ]إِنَّ الله
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ[ [البقرة/222]
وعن
أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى
أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا
عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته
فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي
إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم».
الحديث. (أخرجه مسلم (كتاب البر والصلة/تحريم الظلم/(2577)).
والأدلة
في هذا الباب كثيرة جدا، فمن فهم مناقب هذا النوع من العبادة فسعى له سعيه فقد
فاز.
قال
الله تعالى: ]وَتُوبُوا
إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[
[النور/31]
عن
عَبْدَ الله بْنَ بُسْرٍ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ النَّبِي -صلى الله عليه
وسلم-: «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِى صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا». (أخرجه
ابن ماجه (كتاب الأدب/الاستغفار/(3818)/دار السلام)، وحسنه الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" رقم (552)/دار الآثار).
ومن
أهمّ أسباب المغفرة في قلوب المؤمنين: القيام ليلة القدر.
عَنْ
أَبِي هريرة رضى الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا
وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ
إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (أخرجه
البخارى (كتاب الصوم/من صام رمضان/(1901) /دار الكتب العلمية) ومسلم (كتاب صلاة
المسافرين/الترغيب في قيام رمضان/(760)/دار ابن الجوزي)).
وأما من أهمله فإنه من الخاسرين. قال الله تعالى: ﴿قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا
أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ
بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى
مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ
لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى
الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ
جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
* وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله وُجُوهُهُمْ
مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِين﴾ [الزمر/53-60].
وقال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الله
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
فَأُولَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ
التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ
الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء/17، 18]
وعن عائشة قالت قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في
الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعه إنه لم يقل يوما:
رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». (أخرجه مسلم/كتاب الإيمان/الدليل على أن من مات على الكفر ... /(214)/ دار ابن الجوزي)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان
فانسلخ قبل أن يغفر له ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة». (أخرجه
الإمام أحمد ((7451)/الرسالة)
وغيره، وقال الإمام الوادعي رحمه الله: الحديث يرتقي إلى الصحيح لغيره ("الصحيح المسند" رقم (1282) /دار الآثار).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فَالْجِهَادُ
أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: جِهَادُ النّفْسِ وَجِهَادُ الشّيْطَانِ وَجِهَادُ الْكُفّارِ
وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ.
(مَرَاتِبُ جِهَادِ النّفْسِ) فَجِهَادُ
النّفْسِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ أَيْضًا: إحْدَاهَا: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى
تَعَلّمِ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ الّذِي لَا فَلَاحَ لَهَا وَلَا سَعَادَةَ فِي
مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا إلّا بِهِ. وَمَتَى فَاتَهَا علمه شَقِيَتْ فِي
الدّارَيْنِ. الثّانِيَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ بَعْدَ
عِلْمِهِ وَإِلّا فَمُجَرّدُ الْعِلْمِ بِلَا عَمَلٍ إنْ لَمْ يَضُرّهَا لَمْ
يَنْفَعْهَا. الثّالِثَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الدّعْوَةِ إلَيْهِ
وَتَعْلِيمِهِ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ، وَإِلّا كَانَ مِنْ الّذِينَ يَكْتُمُونَ
مَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنْ الْهُدَى وَالْبَيّنَاتِ وَلَا يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ
وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللّهِ. الرّابِعَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى
الصّبْرِ عَلَى مَشَاقّ الدّعْوَةِ إلَى اللّهِ وَأَذَى الْخَلْقِ وَيَتَحَمّلُ
ذَلِكَ كُلّهُ لِلّهِ. فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَ صَارَ
مِنْ الرّبّانِيّينَ فَإِنّ السّلَفَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنّ الْعَالِمَ لَا
يَسْتَحِقّ أَنْ يُسَمّى رَبّانِيّا حَتّى يَعْرِفَ الْحَقّ وَيَعْمَلَ بِهِ
وَيُعَلّمَهُ، فَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلّمَ فَذَاكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي
مَلَكُوتِ السّمَاوَاتِ.
فَصْلٌ [مَرَاتِبُ جِهَادِ الشّيْطَانِ] الشّيْطَانِ
فَمَرْتَبَتَانِ إحْدَاهُمَا: جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقِي إلَى الْعَبْدِ
مِنْ الشّبُهَاتِ وَالشّكُوكِ الْقَادِحَةِ فِي الْإِيمَانِ. الثّانِيَةُ:
جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقِي إلَيْهِ مِنْ الْإِرَادَاتِ الْفَاسِدَةِ
وَالشّهَوَاتِ فَالْجِهَادُ الْأَوّلُ يَكُونُ بَعْدَهُ الْيَقِينُ وَالثّانِي
يَكُونُ بَعْدَهُ الصّبْرُ . قَالَ تَعَالَى: ]وَجَعَلْنَا
مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا
يُوقِنُونَ[ [ السّجْدَةُ 24 ] فَأَخْبَرَ أَنّ إمَامَةَ الدّينِ إنّمَا
تُنَالُ بِالصّبْرِ وَالْيَقِينِ فَالصّبْرُ يَدْفَعُ الشّهَوَاتِ وَالْإِرَادَاتِ
الْفَاسِدَةَ وَالْيَقِينُ يَدْفَعُ الشّكُوكَ وَالشّبُهَاتِ.
فَصْلٌ [مَرَاتِبُ جِهَادِ الْكُفّارِ
وَالْمُنَافِقِينَ] وَأَمّا جِهَادُ الْكُفّارِ وَالْمُنَافِقِينَ
فَأَرْبَعُ مَرَاتِبَ: بِالْقَلْبِ، وَاللّسَانِ، وَالْمَالِ، وَالنّفْسِ.
وَجِهَادُ الْكُفّارِ أَخُصّ بِالْيَدِ، وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ أَخُصّ
بِاللّسَانِ .
فَصْلٌ [جِهَادُ أَرْبَابِ الظّلْمِ وَالْبِدَعِ
وَالْمُنْكَرَاتِ] وَأَمّا جِهَادُ أَرْبَابِ الظّلْمِ وَالْبِدَعِ
وَالْمُنْكَرَاتِ فَثَلَاثُ مَرَاتِبَ الْأُولَى: بِالْيَدِ إذَا قَدَرَ، فَإِنْ
عَجَزَ انْتَقَلَ إلَى اللّسَانِ، فَإِنْ عَجَزَ جَاهَدَ بِقَلْبِهِ، فَهَذِهِ
ثَلَاثَةَ عَشَرَ مُرَتّبَةً مِنْ الْجِهَادِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ
يُحَدّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ النّفَاقِ اهـ. ("زاد المعاد" /فصل في هديه
صلى الله عليه وآله وسلم في الجهاد.../370-371/دار ابن حزم).
فشهر رمضان شهر المجاهدة. قال الإمام ابن رجب رحمه
الله: واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه : جهاد بالنهار على
الصيام، وجهاد بالليل على القيام فمن جمع بين هذين الجهادين و وفى بحقوقهما و صبر
عليهما و فى أجره بغير حساب ... إلخ ("لطائف المعارف" /وظائف في شهر
رمضان/ص 237/دار الحديث).
ومن المجاهدة في رمضان إحياء لياليه في العشر
الأواخر . عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله
عليه وسلم - إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ،
وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ اهـ. (أخرجه البخارى (2024)).
وكذلك
الردود على أهل الأهواء، والتحذير منهم من أعظم العبادة اهـ.
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة
للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير
الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: (الرجل يصوم، ويصلى،
ويعتكف أحبّ إليك أو يتكلم فى أهل البدع؟) فقال: (إذا قام، وصلى، واعتكف فإنما هو
لنفسه، وإذا تكلم فى أهل البدع، فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل)، فبيّن أن
نفع هذا عام للمسلمين فى دينهم من جنس الجهاد فى سبيل الله، إذ تطهير سبيل
الله، ودينه، ومنهاجه، وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على
الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين،
وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا
استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون
القلوب ابتداء اهـ. ("مجموع
الفتاوى"/28 /ص 231-232/ط. مكتبة ابن
تيمية).
وقال
أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى
كان يحيى بن يحيى يقول: (الذبّ عن السنة أفضل من الجهاد) اهـ. ("مجموع
الفتاوى"/4 /ص 13/ط. مكتبة ابن
تيمية).
وقال
الإمام محمد بن يحيى الذهلي رحمه الله: سمعت يحيى بن معين يقول: (الذبّ عن
السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله). فقلت ليحيى: (الرجل ينفق ماله، ويتعب
نفسه، ويجاهد، فهذا أفضل منه !؟) قال: (نعم، بكثير) اهـ ("سير أعلام النبلاء" /10 / ص 518/ط. مؤسسة الرسالة).
تنبيه:
أدخل الإمام الذهبي رحمه الله هذا الأثر في ترجمة يحيى بن يحيى رحمه الله، والله
أعلم.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في
بعض المبتدعة: فكشف عورات هؤلاء وبيان فضائحهم وفساد قواعدهم من أفضل الجهاد
في سبيل الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحسان بن ثابت رضي الله
عنه: «إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن رسوله»، وقال: «أهجهم أو هاجهم وجبريل
معك»، وقال: «اللهم أيده بروح القدس ما دام ينافح عن رسولك»، وقال عن هجائه لهم:
«والذي نفسي بيده لهو أشد فيهم من النبل» وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في
سبيل الله؟ اهـ ("الصواعق المرسلة" /1/ ص114/الفصل العاشر: في أن التأويل شر من التعطيل/ط. مكتبة الرشد).
وقال الإمام الوادعي رحمه الله: فإن من الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الدعوة إلى الله، بل ومن الجهاد في سبيل الله
بيان عقيدة أهل السنة والجماعة والذّب عنها، وكشف عوار أهل البدع والملحدين
والتحذير منهم، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ]بل نقذف بالحقّ
على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق[.
وجزى الله أهل السنة خيرًا فهم من زمن قديم يتصدون
لأهل البدع، حتى فضّل بعضهم الرّدّ على أهل البدع على الجهاد في سبيل الله اهـ.
(مقدمة"ردود أهل العلم"/للإمام الوادعي رحمه الله/ص5-6/ط. دار الآثار).
وقال فضيلة الشيخ أحمد بن يحيى النجمي
رحمه الله: وقد حكى شيخ الإسلام الإجماع على ذلك: أن من ردّ على أصحاب البدع
قاصداً بذلك الذود عن الدين، وتنقيته مما ليس منه أن ذلك يعد جهادا في سبيل الله،
وحماية لشرعه، ... إلخ ("الرد
المحبر" ص138 للشيخ أحمد النجمي رحمه الله/ط. دار المنهاج).
وقال فضيلة الشيخ ربيع المدخلي حفظه
الله في شأن السلف: فهموا منها المواقف السليمة والصحيحة من أهل البدع والضلال،
ودَوَّنوا ذلك في كتبهم، وقالوا: (إن المبتدع لا غيبة له، وأنه يجب التحذير منه، وأن
محاربة أهل البدع جهاد، وهو أفضل من الضرب بالسيوف) اهـ. ("الموقف الصحيح" ص23/للشيخ ربيع المدخلي حفظه الله/دار الإمام أحمد).
وقال أيضا حفظه الله: ... وأن الرد على
أهل البدع والتحذير منهم جهاد في سبيل الله اهـ. ("نقد الرجال" /للشيخ ربيع
المدخلي حفظه الله /ص137/ دار المنهاج).
وقال شيخنا المحدث الناصح الأمين يحيى
بن علي الحجوري حفظه الله في شأن جهاد الكفار والمنافقين وغيرهم: ما أشبه المجاهد
بلسانه بالمجاهد بسنانه، بل المجاهد بلسانه أشدّ اهـ (سجلتْ في 27 جمادى الأولى
1430 هـ).
وليس هذا –جهاد المبتدعة- من المفسدات لقداسة رمضان، بل هذا
من أعظم العبادات، ويحفظ الله به طهارة رمضان وشريعته من الأدران والأوساخ. وهذا
في سبيل الله. فما أعظم منقبة الصيام في سبيل الله. عَنْ أَبِى سَعِيدٍ رضى الله
عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِى سَبِيلِ الله
بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». (أخرجه البخارى (كتاب
الجهاد والسير/فضل الصوم في سبيل الله/(2840) /دار الكتب العلمية) ومسلم (كتاب الصيام/ فضل الصيام
في سبيل الله/ (1153)/دار ابن الجوزي).
هذا كله لم يخرج من جهاد النفس. عن فضالة بن عبيد رضي
الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المجاهد
من جاهد نفسه في سبيل الله عز و جل». (أخرجه الإمام أحمد ((23965)/الرسالة)، وصححه الإمام الألباني رحمه الله في "الصحيحة" (رقم (549)/مكتبة المعارف) والإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" تحت رقم (1065) /دار الآثار).
عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة
المسلمين، وعاماهم». (أخرجه مسلم/كتاب الإيمان/باب أن الدين النصيحة/(55) /دار ابن الجوزي).
قال الإمام النووي رحمه الله: وأما النصيحة لأئمة
المسلمين فمعاونتهم على الحق ، وطاعتهم فيه ، وأمرهم به ، وتنبيههم وتذكيرهم برفق
ولطف ، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين ، وترك الخروج عليهم ،
وتألف قلوب الناس لطاعتهم . قال الخطابي رحمه الله : ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم
، والجهاد معهم ، وأداء الصدقات إليهم ، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم
حيف أو سوء عشرة ، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم ، وأن يدعى لهم بالصلاح .
وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من
أصحاب الولايات . وهذا هو المشهور اهـ المراد. ("المنهاج شرح صحيح مسلم بن حجاج"/1 / ص 398/مكتبة المعارف).
وعن عوف بن مالك رضي الله عنه: عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، ويصلون عليكم، وتصلون
عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم» قيل: يا
رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة. وإذا رأيتم مِن
وُلاتكم شيئاً تكرهونه، فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة». (أخرجه مسلم /كتاب الإمارة/خيار الأئمة/(1855)/ دار ابن الجوزي).
وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون. فمن
كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضى وتابع» قالوا: يا رسول الله ألا
نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا». (أخرجه مسلم/كتاب الإمارة/وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع.../(1854)/ دار ابن
الجوزي)
وعن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليك السمع والطاعة
في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك» (أخرجه مسلم /كتاب الإمارة/وجوب طاعة الأمراء.../(1836)/ دار ابن الجوزي).
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: بايعنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى
أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا
نخاف في الله لومة لائم. (أخرجه مسلم /كتاب الإمارة/وجوب طاعة الأمراء.../ (1709)/ دار ابن الجوزي).
وطاعة الأمراء فيما لا يخالف كتاب الله وسنة رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ
مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْوِيلًا[ [النساء/59].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: فهذه أوامر بطاعة
العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى: ]أَطِيعُوا الله[
أي: اتبعوا كتابه ]وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ[ أي: خذوا بسنته ]وَأُولِي
الأمْرِ مِنْكُمْ[ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة
لمخلوق في معصية الله ... إلخ ("تفسير القرآن
العظيم"/1 / ص 713/دار الصديق).
عَنْ عَلِىٍّ رضى الله عنه قَالَ:
بَعَثَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِنَ
الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ فَقَالَ: أَلَيْسَ
أَمَرَكُمُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تُطِيعُونِى. قَالُوا: بَلَى.
قَالَ فَاجْمَعُوا لِى حَطَبًا. فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا.
فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا. فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ
بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ
النَّارِ. فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ
النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ: «لَوْ
دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِى
الْمَعْرُوفِ». (أخرجه البخارى (كتاب المغازي/سرية عبد الله
بن حذافة/ (4340)/دار الكتب
العلمية) ومسلم (كتاب الإمارة/وجوب طاعة
الأمراء.../ (1840)/ دار ابن الجوزي)).
ومن البرّ
والإحسان إلى الأمراء بذل النصح لهم، وعدم طاعتهم في معصية الله لئلا تكثر ذنوبهم
وعقوبتهم يوم القيامة. عن طارق بن شهاب رضي الله عنه:
أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد وضع رجله في الغرز أي الجهاد أفضل؟
قال: «كلمة حق عند سلطان جائر». (أخرجه الإمام أحمد ((18828/(الرسالة)، وصححه الإمام الوادعي
رحمه الله في "الصحيح
المسند" ((518/(دار الآثار)).
قال
أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم رحمه الله: إِنَّمَا صَارَ ذَلِكَ أَفْضَل
الْجِهَاد لِأَنَّ مَنْ جَاهَدَ الْعَدُوّ كَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْن رَجَاء
وَخَوْف لَا يَدْرِي هَلْ يَغْلِب أَوْ يُغْلَب وَصَاحِب السُّلْطَان مَقْهُور فِي
يَده ، فَهُوَ إِذَا قَالَ الْحَقّ وَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ فَقَدْ تَعَرَّضَ
لِلتَّلَفِ وَأَهْدَفَ نَفْسه لِلْهَلَاكِ فَصَارَ ذَلِكَ أَفْضَل أَنْوَاع
الْجِهَاد مِنْ أَجْل غَلَبَة الْخَوْف قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره. اهـ ("عون
المعبود" /كتاب الفتن والملاحم/ باب
الأمر والنهي /تحت
رقم 4334/دار
الكتب العلمية).
هذه من عقيدة أهل السنة والجماعة. لو استمسك بها
المسلمون لفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، ويعبدون ربهم عزّ وجلّ مع الأمن،
والأمان، والطمأنينة. ولكن بعض السفهاء يأبون إلا المظاهرات، والانقلابات،
والتفجيرات، وتهييج المجتمع على أمرائهم، فيحصل بذلك شرّ عريض.
عن سَعِيد بْن جُمْهَانَ قَالَ: أَتَيْتُ عَبْدَ الله
بْنَ أَبِى أَوْفَى وَهُوَ مَحْجُوبُ الْبَصَرِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: لِى
مَنْ أَنْتَ فَقُلْتُ: أَنَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ
وَالِدُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَتَلَتْهُ الأَزَارِقَةُ. قَالَ: لَعَنَ الله
الأَزَارِقَةُ لَعَنَ الله الأَزَارِقَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه
وسلم-: «أَنَّهُمْ كِلاَبُ النَّارِ». قَالَ: قُلْتُ: الأَزَارِقَةُ
وَحْدَهُمْ أَمِ الْخَوَارِجُ كُلُّهَا؟ قَالَ: بَلَى الْخَوَارِجُ كُلُّهَا.
قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَظْلِمُ النَّاسَ وَيَفْعَلُ بِهِمْ. قَالَ:
فَتَنَاوَلَ يَدِى فَغَمَزَهَا بِيَدِهِ غَمْزَةً شَدِيدَةً ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ
يَا ابْنَ جُمْهَانَ عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ
الأَعْظَمِ إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَسْمَعُ مِنْكَ فَائْتِهِ فِى بَيْتِهِ
فَأَخْبِرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فَإِنْ قَبِلَ مِنْكَ وَإِلاَّ فَدَعْهُ فَإِنَّكَ
لَسْتَ بِأَعْلَمَ مِنْهُ. (أخرجه الإمام أحمد ((19415)/الرسالة) وحسنه
الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" رقم (545) /دار الآثار).
وعن أَبي غَالِبٍ يَقُولُ لَمَّا أُتِىَ بِرُءُوسِ
الأَزَارِقَةِ فَنُصِبَتْ عَلَى دَرَجِ دِمَشْقَ جَاءَ أَبُو أُمَامَةَ فَلَمَّا
رَآهُمْ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ: «كِلاَبُ النَّارِ - ثَلاَثَ مَرَّاتٍ
- هَؤُلاَءِ شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ وَخَيْرُ
قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ هَؤُلاَءِ».
قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا شَأْنُكَ دَمَعَتْ عَيْنَاكَ؟ قَالَ: رَحْمَةً لَهُمْ
إِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ. قَالَ: قُلْنَا: أَبِرَأْيِكَ قُلْتَ
هَؤُلاَءِ كِلاَبُ النَّارِ، أَوْ شَىْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله -صلى الله
عليه وسلم- قَالَ: إِنِّى لَجَرِىءٌ بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله -صلى الله
عليه وسلم- غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ ثِنْتَيْنِ وَلاَ ثَلاَثٍ. قَالَ: فَعَدَّ
مِرَاراً. (أخرجه الإمام أحمد ((22314)/الرسالة) وصححه
الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" رقم (482) /دار الآثار).
قال الله تعالى: ]كُلُّ نَفْسٍ
ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ[ [آل عمران/185]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: وهذه الآية فيها
تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة
وفَرَغَت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية -أقام الله القيامة
وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم
أحداً مثقال ذرة؛ ولهذا قال: ]وَإِنَّمَا
تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[ ("تفسير القرآن
العظيم"/1 / ص 595/دار الصديق).
وعن هَانِئ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ
إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ تُذْكَرُ
الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلاَ تَبْكِى وَتَبْكِى مِنْ هَذَا، فَقَالَ: إِنَّ
رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ
الآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ
مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ ». قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ الله -صلى
الله عليه وسلم-: «مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلاَّ وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ
مِنْهُ ». (أخرجه الترمذى (كتاب الزهد/باب-5/(2478)/أحوذي/دار إحياء
التراث)، وحسنه الإمام الألباني رحمه الله في "مشكاة المصابيح" (رقم (132)/مكتبة
الإسلامي)، والإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" رقم (909) /دار الآثار).
وقال الله تعالى: ]فَإِذَا
جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى *
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ
الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ
رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[
[النازعات/34-41]
وقال تعالى: ]بَلِ
السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ
فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ
ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ[ [القمر/46-48]
وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم
كمقدار ميل» - قال سليم بن عامر (أحد الرواة): فوالله ما أدري ما يعني بالميل؟
أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين؟- قال: «فيكون الناس على قدر أعمالهم
في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى
حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً» قال: وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم
بيده إلى فيه. (أخرجه مسلم/كتاب صفة
القيامة/باب في صفة يوم القيامة/ (2864)/دار ابن الجوزي).
فما أحوجنا إلى الماء العذب الزلال يوم العطش
الأكبر. عن عَبْد الله بْنُ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله
عليه وسلم -: «حَوْضِى مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ
أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا
فَلاَ يَظْمَأُ أَبَدًا». (أخرجه البخاري (كتاب الرقاق/في الحوض/(6579)/دار الكتب العلمية) ومسلم (كتاب الفضائل/إثبات حوض
النبي صلى الله عليه وآله وسلم/(2292) /دار ابن الجوزي)).
ولكن ليس كل هذه الأمة يشربون منه.
عن أَبُي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله
عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّى فَرَطُكُمْ عَلَى
الْحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَىَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا،
لَيَرِدَنَّ عَلَىَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِى، ثُمَّ يُحَالُ
بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ». قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِى النُّعْمَانُ بْنُ أَبِى
عَيَّاشٍ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ:
أَشْهَدُ عَلَى أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ لَسَمِعْتُهُ وَهْوَ يَزِيدُ فِيهَا:
«فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّى. فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا
بَعْدَكَ. فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِى». (أخرجه البخارى (كتاب
الرقاق/في الحوض/(6583-6584)/دار الكتب العلمية)، ومسلم(كتاب الفضائل/إثبات حوض
النبي صلى الله عليه وآله وسلم/(2290-2291) /دار ابن الجوزي)).
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: «أعاذك الله من إمارة السفهاء» قال:
وما إمارة السفهاء؟ قال: «أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي ولا يستنون بسنتي فمن
صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردوا على حوضي،
ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردوا على حوضي،
-إلى قوله:- يا كعب بن عجرة الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه
فموبقها». (أخرجه أحمد ((14441)/الرسالة)، وحسنه الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح
المسند"
(245) /دار الآثار).
فلم
يظفر بحوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا من أطاعه واتبع سبيله.
قال
الإمام ابن القيم رحمه الله: أن ورود الناس الحوض وشربهم منه يوم العطش الأكبر بحسب
ورودهم سنة رسول الله r وشربهم منها، فمن وردها في هذه الدار وشرب منها وتضلع ورد هناك
حوضه وشرب منه وتضلع. فله حوضان عظيمان حوض في الدنيا وهو سنته وما جاء به، وحوض
في الآخرة. فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم الشاربون من حوضه يوم القيامة.
فشارب ومحروم ومستقل ومستكثر. والذين يذودهم هو والملائكة عن حوضه يوم القيامة. هم
الذين كانوا يذودون أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيرها فمن ظمأ من سنته
في هذه الدنيا ولم يكن له منها شأن فهو في الآخرة أشد ظمأً وأحر كبداً ..إلخ
("اجتماع الجيوش الإسلامية" /ص 85-86/مكتبة الرشد).
ثم تأمل شدة الأحوال في الصراط على متن جهنم، وقد
قال تعالى: ]وَإِنْ
مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ
نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا[
[مريم/71، 72]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال: «وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، فيمر
أولكم كالبرق» قال: قلت: بأبي أنت وأمي أيّ شيء كمرّ البرق؟ قال: «ألم تروا إلى البرق
كيف يمرّ ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمرّ الريح ثم كمرّ الطير وشدّ الرجال، تجري
بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد
حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً» قال: «وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة
مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس في النار»، والذي نفس أبي هريرة بيده
إن قعر جهنم لسبعون خريفا. (أخرجه مسلم (كتاب الإيمان/أدنى أهل الجنة
منزلة/(195)).
فلا ينجو من هذه الشدة إلا من ثبت على الحق في
مجاهدة الشبهات والشهوات. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فمَن هُدي في هذه الدار
إلى صراط الله المستقيم الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه هُدي هناك إلى الصراط
المستقيم الموصل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط
الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن
جهنم، وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط، فمنهم
من يمر كالبرق ومنهم من يمرّ كالطرف ومنهم من يمرّ كالريح ومنهم من يمرّ كشد
الركاب ومنهم من يسعى سعيا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يحبوا حبوا ومنهم المخدوش
المسلم ومنهم المكردس في النار. فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا
حذو القذة بالقذة ]جزاء وفاقا[ ]هل تجزون إلا ما كنتم
تعملون[. ولينظر الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط
المستقيم فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط تخطفه وتعوقه عن المرور عليه فإن
كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك ]وما ربك بظلام
للعبيد[. ("مدارج السالكين"/المطالب
العالية التي اشتملت عليها سورة الفاتحة/1/ص15/دار الحديث).
فما يتذكر إلا أولوا الألباب.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت عاشر عشرة في
مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة،
وابن عوف، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم، فجاء فتى من الأنصار فسلم على رسول
الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس فقال: يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟ قال:
«أحسنهم خلقا» قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له
استعداداً قبل أن ينزل بهم، أولئك من الأكياس» ثم سكت الفتى، وأقبل عليه النبي
صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين خمس إن ابتليتم بهن ونزل فيكم، أعوذ
بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعملوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون
والأوجاع التي لم يكن مضت في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال و الميزان إلا أخذوا
بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا الزكاة إلا منعوا القطر من
السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم
عدوهم من غيرهم وأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا
ألقى الله بأسهم بينهم» الحديث. (أخرجه الحاكم في "المستدرك" (كتاب الفتن
والملاحم/(8688)/دار الحرمين) وغيره، وقال الإمام الألباني رحمه الله في "الصحيحة" ((1384)/مكتبة المعارف): فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن. وحسنه أيضا
الإمام الوادعي رحمه الله في "الجامع الصحيح
في القدر" /خصال خمس/ص431/مكتبة صنعاء الأثرية).
وآخر
عهد المؤمنين الصائمين الريان.
عن
سهل رضى الله عنه عن النبى - صلى الله عليه وسلم – قال: «إن فى الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه
الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا
يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد». (أخرجه البخارى (كتاب
الصوم/الريان للصائمين/(1896)/دار الكتب العلمية) ومسلم (كتاب الصيام/فضل الصيام/(1152)/دار ابن الجوزي)).
فليفرح
المؤمنون الصائمون.
عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبى - صلى الله عليه وسلم – قال: «يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزى به
يدع شهوته وأكله وشربه من أجلى، والصوم جنة، وللصائم فرحتان فرحة حين يفطر وفرحة
حين يلقى ربه...» الحديث. (أخرجه البخارى (كتاب التوحيد/قول الله
تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام الله/(7492)/دار الكتب
العلمية) ومسلم (كتاب الصيام/فضل الصيام/(1151)/دار ابن الجوزي)).
إن الصائمين يريدون رضى الله وثوابه، فلا ينبغي له
تعاطي ما يجلب غضب الله، منه: التكبّر.
عن
أبي سلمة رحمه الله قال: الْتَقَى عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ الله بْنُ
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِى عَلَى الْمَرْوَةِ فَتَحَدَّثَا ثُمَّ مَضَى عَبْدُ الله
بْنُ عَمْرٍو وَبَقِىَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ يَبْكِى، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا
يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: هَذَا - يَعْنِى عَبْدَ الله بْنَ
عَمْرٍو - زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَنْ
كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ أَكَبَّهُ الله
عَلَى وَجْهِهِ فِى النَّارِ». (أخرجه الإمام أحمد ((7015/(الرسالة)، وصححه الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" رقم (800)/دار الآثار).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كُنْتُ أُقْرِئُ
رِجَالاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ (أخرجه
البخاري/كتاب المحاربين من أهل
الكفر والردة/رجم الحبلى من الزنى.../(6830)/دار الكتب العلمية).
وقال ابن الجوزي رحمه الله: ففيه تنبيه على أخذ
العلم من أهله وإن صغرت أسنانهم أو قلّت أقدارهم، وقد كان حكيم ابن حزام يقرأ
على معاذ بن جبل فقيل له تقرأ على هذا الغلام الخزرجي فقال: إنما أهلكنا التكبر
اهـ. ("كشف المشكل"/مسند عمر بن
الخطاب/1/ص63/دار الوطن).
وقال ابن المديني رحمه الله: إنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ
بِالسِّنِّ اهـ. ("الآداب الشرعية"/للإمام ابن
مفلح/فصل في أخذ العلم عن
أهله وإن كانوا صغار السن/ص364/مؤسسة الرسالة).
وقال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: الْغُلَامُ
أُسْتَاذٌ إذَا كَانَ ثِقَةً اهـ. ("الآداب الشرعية"/للإمام ابن
مفلح/نفس المصدر).
وقال الإمام وكيع بن الجراح رحمه الله: لَا يَكُونُ
الرَّجُلُ عَالِمًا حَتَّى يَسْمَعَ مِمَّنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ، وَمَنْ هُوَ
مِثْلُهُ، وَمَنْ هُوَ دُونَهُ فِي السِّنِّ اهـ. ("الآداب الشرعية"/للإمام ابن
مفلح/ نفس المصدر).
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: لم يكن في زمن
ابن المبارك أطلب للعلم منه، رحل إلى اليمن، وإلى مصر، وإلى الشام، والبصرة،
والكوفة، وكان من رواة العلم، وأهل ذلك كتب عن الصغار والكبار اهـ. ("تاريخ دمشق"/ترجمة ابن
المبارك/32/ص407/دار الفكر).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: سمعت شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله يقول : التكبّر شرّ من الشرك، فإن المتكبر يتكبر عن
عبادة الله تعالى، والمشرك يعبد الله وغيره. قلت: ولذلك جعل الله النار دار
المتكبرين، كما قال الله تعالى في سورة الزمر، وفي سورة غافر: ]فادخلوا أبواب جهنم خالدين
فيها فبئس مثوى المتكبرين[ ]غافر: 76[، و]الزمر: 72[ وفي سورة النحل: ]فادخلوا أبواب
جهنم خالدين فيها فلبئس مثوي المتكبرين[ ]النحل: 29[ وفي سورة تنزيل: ]أليس في جهنم مثوى
للمتكبرين[ ]الزمر: 60[
وأخبر
أن أهل الكبر والتجبر هم الذين طبع الله على قلوبهم، فقال تعالى: ]كذلك يطبع الله على كل قلب
متكبر جبار[ ]غافر: 35[ وقال: «لا يدخل الجنة
من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» رواه مسلم([4]). وقال: «الكبر
بطر الحق وغمص الناس»([5]). وقال تعالى: ]إن الله لا يغفر أن يشرك
به[ ]النساء: 8[ تنبيهاً على أنه لا
يغفر الكبر الذي هو أعظم من الشرك، وكما أن من تواضع لله رفعه، فكذلك من
تكبر عن الانقياد للحق أذله الله، ووضعه، وصغّره، وحقّره. ومن تكبر عن الانقياد
للحق ولو جاءه على يد صغير أو من يبغضه أو يعاديه فإنما تكبره على الله، فإن
الله هو الحق، وكلامه حق، ودينه حق، والحق صفته ومنه وله، فإذا رده العبد وتكبر عن
قبوله فإنما ردّ على الله وتكبر عليه، والله أعلم.
فصل: قال صاحب المنازل: التواضع: أن يتواضع العبد
لصولة الحق .
يعني:
أن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له والذل والانقياد والدخول تحت رقه بحيث يكون الحق
متصرفا فيه تصرف المالك في مملوكه، فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع، ولهذا فسر
النبي الكبر بضده فقال: «الكبر بطر الحق وغمص الناس» فبطر الحق: ردّه وجحده والدفع
في صدره كدفع الصائل. وغمص الناس: احتقارهم وازدراؤهم، ومتى احتقرهم وازدراهم دفع
حقوقهم وجحدها واستهان بها، ولما كان لصاحب الحق مقال وصولة : كانت النفوس
المتكبرة لا تقر له بالصولة على تلك الصولة التي فيها، ولا سيما النفوس المبطلة
فتصول على صولة الحق بكبرها وباطلها. فكان حقيقة التواضع : خضوع العبد لصولة
الحق وانقياده لها فلا يقابلها بصولته عليها اهـ. ("مدارج السالكين"/منزلة التواضع/2/ص271/دار الحديث).
وقال الإمام ابن رجب رحمه الله: فلهذا كان أئمة
السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيراً،
ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم اهـ. ("الفرق بين النصيحة
والتعيير"/مجموع رسائل/الرسالة الخامس
عشر/2/ص404/ط. الفاروق
الحديثية).
وقال
إبراهيم رحمه الله: سألت الفضيل: ما التواضع؟ قال: أن تخضع للحق وتنقاد له، ولو
سمعته من صبي قبلته منه، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه اهـ. ("حلية الأولياء" /ترجمة الفضيل
بن عياض/3
/ ص 392/دار أم القرى/أثر حسن).
وقد أرسل الشيخ حمد بن عتيق –من علماء نجد- رسالة إلى الإمام العلامة
صديق حسن خان رحمهما الله وقال فيها: ... وأنا اجترأت عليك وإن كان مثلي لا ينبغي
له ذلك، لأنه غلب على ظني إضفاؤك إلى التنبيه، ولأن من أخلاق أئمة الدين قبول
التنبيه والمذكرة، وعدم التكبر، وإن كان القائل غير أهل. ولأنه بلغني عن بعض
من اجتمع بك أنك تحب الاجتماع بأهل العلم وتحرص على ذلك، وتقبل العلم ولو ممن
هو دونك بكثير، فرجوت أن ذلك عنوان توفيق جعلك الله كذلك وخير من ذلك اهـ.
(مقدمة "قطف الثمار" ص12 /بتحقيق شيخنا
أبي عمرو الحجوري حفظه الله/مكتبة صنعاء
الأثرية).
إن شهر رمضان له قداسة عظيمة، فلا يجوز انتهاكه
بأباطيل الكلام. وكذلك في سائر الأيام والليالي.
عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ الله حَاجَةٌ فِى
أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ». (أخرجه البخارى (كتاب الصوم/من لم يدع قول الزور/(1903)/دار الكتب
العلمية)).
فأمر
اللسان خطير، قال تعالى: ]مَا يَلْفِظُ
مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[ [ق/18]
وعَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه سَمِعَ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ
بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا ، يَزِلُّ بِهَا فِى النَّارِ أَبْعَدَ
مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ ». (أخرجه البخارى (كتاب الرقاق/حفظ اللسان/(6477)/دار الكتب العلمية)).
ومن
خطورات اللسان:
1-
الكذب
عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود رضى الله عنه عَنِ
النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «إِنَّ
الصِّدْقَ يَهْدِى إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إِلَى الْجَنَّةِ،
وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ
يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ
الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذَّابًا ». (أخرجه البخارى (كتاب
الأدب/قول الله تعالى: يا أيها
الذين آمنوا اتقوا الله.../(6094)/دار الكتب
العلمية) ومسلم (كتاب البر والصلة/قبح الكذب/(2606)/دار ابن الجوزي)).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «من علامات المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا
ائتمن خان» (أخرجه البخاري (كتاب الإيمان/علامة المنافق/(33)/دار الكتب العلمية)، ومسلم (كتاب الإيمان/بيان خصال
المنافق/(59) /دار ابن الجوزي)).
2-
الغيبة
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما
يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته،
وإن لم يكن فيه فقد بهته». (أخرجه مسلم(كتاب البر والصلة/تحريم الغيبة/(2589)/دار ابن الجوزي))
تنبيه: نصيحة أهل
السنة لهذه الأمة، والتحذير من أهل الهوى والبدعة جائز بل واجب اتفاقاً.
وفي
مقدمة صحيح الإمام مسلم رحمه الله: باب بيان أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا
تكون إلا عن الثقات وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب وأنه ليس من الغيبة
المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة اهـ. ("صحيح مسلم" /1 / ص 199-200/المنهاج/مكتبة المعارف).
وقال الإمام النووي رحمه الله في شرح حديث الغيبة: تُبَاح الْغِيبَة لِغَرَضٍ شَرْعِيّ ، وَذَلِكَ
لِسِتَّةِ أَسْبَاب : أَحَدهَا: التَّظَلُّم ؛ فَيَجُوز لِلْمَظْلُومِ أَنْ
يَتَظَلَّم إِلَى السُّلْطَان وَالْقَاضِي وَغَيْرهمَا مِمَّنْ لَهُ وِلَايَة أَوْ
قُدْرَة عَلَى إِنْصَافه مِنْ ظَالِمه، فَيَقُول: ظَلَمَنِي فُلَان، أَوْ فَعَلَ
بِي كَذَا. الثَّانِي: الِاسْتِغَاثَة عَلَى تَغْيِير الْمُنْكَر، وَرَدّ
الْعَاصِي إِلَى الصَّوَاب ، فَيَقُول لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَته : فُلَان يَعْمَل
كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ وَنَحْو ذَلِكَ . الثَّالِث: الِاسْتِفْتَاء
بِأَنْ يَقُول لِلْمُفْتِي : ظَلَمَنِي فُلَان أَوْ أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ زَوْجِي
بِكَذَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ ؟ وَمَا طَرِيقِي فِي الْخَلَاص مِنْهُ وَدَفْع ظُلْمه
عَنِّي ؟ وَنَحْو ذَلِكَ ، فَهَذَا جَائِز لِلْحَاجَةِ ، وَالْأَجْوَد أَنْ يَقُول
فِي رَجُل أَوْ زَوْج أَوْ وَالِد وَوَلَد: كَانَ مِنْ أَمْره كَذَا، وَمَعَ
ذَلِكَ فَالتَّعْيِين جَائِز لِحَدِيثِ هِنْد وَقَوْلهَا : إِنَّ أَبَا سُفْيَان
رَجُل شَحِيح . الرَّابِع: تَحْذِير الْمُسْلِمِينَ مِنْ الشَّرّ ،
وَذَلِكَ مِنْ وُجُوه : مِنْهَا جَرْح الْمَجْرُوحِينَ مِنْ الرُّوَاة ،
وَالشُّهُود ، وَالْمُصَنِّفِينَ ، وَذَلِكَ جَائِز بِالْإِجْمَاعِ ، بَلْ وَاجِب صَوْنًا
لِلشَّرِيعَةِ ، وَمِنْهَا الْإِخْبَار بِعَيْبِهِ عِنْد الْمُشَاوَرَة فِي
مُوَاصَلَته ، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْت مَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا مَعِيبًا أَوْ
عَبْدًا سَارِقًا أَوْ زَانِيًا أَوْ شَارِبًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ تَذْكُرهُ
لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يَعْلَمهُ نَصِيحَة، لَا بِقَصْدِ الْإِيذَاء
وَالْإِفْسَاد ، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْت مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّد إِلَى فَاسِق
أَوْ مُبْتَدِع يَأْخُذ عَنْهُ عِلْمًا ، وَخِفْت عَلَيْهِ ضَرَره ، فَعَلَيْك
نَصِيحَته بِبَيَانِ حَاله قَاصِدًا النَّصِيحَة ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُون لَهُ
وِلَايَة لَا يَقُوم بِهَا عَلَى وَجْههَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّته أَوْ لِفِسْقِهِ ،
فَيَذْكُرهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَة لِيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى حَاله ، فَلَا
يَغْتَرّ بِهِ ، وَيَلْزَم الِاسْتِقَامَة . الْخَامِس: أَنْ يَكُون
مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَته كَالْخَمْرِ وَمُصَادَرَة النَّاس وَجِبَايَة
الْمُكُوس وَتَوَلِّي الْأُمُور الْبَاطِلَة فَيَجُوز ذِكْره بِمَا يُجَاهِر بِهِ
، وَلَا يَجُوز بِغَيْرِهِ إِلَّا بِسَبَبٍ آخَر. السَّادِس: التَّعْرِيف
فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ كَالْأَعْمَشِ وَالْأَعْرَج وَالْأَزْرَق
وَالْقَصِير وَالْأَعْمَى وَالْأَقْطَع وَنَحْوهَا جَازَ تَعْرِيفه بِهِ ،
وَيَحْرُم ذِكْره بِهِ تَنَقُّصًا وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيف بِغَيْرِهِ كَانَ
أَوْلَى . وَالله أَعْلَم اهـ. ("المنهاج"/ 16 / ص 379/مكتبة المعارف).
عن عفان رحمه الله قال: كنت عند إسماعيل بن علية
فحدث رجلٌ عن رجلٍ بحديث فقلت: لا تحدث عن هذا فإنه ليس بثبت، فقال: اغتبته. فقال
إسماعيل: ما اغتابه، ولكنه حكم عليه أنه ليس بثبت اهـ. ("الجرح والتعديل"/ للإمام ابن أبي حاتم/2 / ص 23/دار الفكر/الأثر صحيح).
ذكر
هذا الأثر الإمام ابن أبي حاتم الرازي رحمه الله تحت عنوان: باب وصف الرواة بالضعف
وأن ذلك ليس بغيبة.
وعن أبي صالح الفراء قال: حكيت ليوسف بن أسباط عن
وكيع شيئا من أمر الفتن فقال: ذاك يشبه أستاذه يعنى الحسن بن حيي. قلت ليوسف: أما
تخاف أن تكون هذه غيبة؟ فقال: لِمَ يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من أمهاتهم وآبائهم،
أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتبعتهم أوزارهم، ومن أطراهم كان أضرّ عليهم
اهـ. ("ضعفاء" /للعقيلي رحمه
الله /ترجمة حسن بن صالح/1 / ص 232/دار الكتب العلمية).
3-
النميمة
عَنْ هَمَّامٍ قَالَ كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ
فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَجُلاً يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ
حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ ». (أخرجه
البخارى (كتاب الأدب/ما يكره من
النميمة/(6056)/دار الكتب العلمية)، ومسلم (كتاب الإيمان/بيان غلظ تحريم
النميمة/(105) /دار ابن الجوزي)).
قال الإمام النووي رحمه الله: قال العلماء: النميمة نقل كلام الناس بعضهم
إلى بعض على جهة الإفساد بينهم . اهـ
("المنهاج" /2/ص181/تحت الحديث 105/دار أحياء التراث).
فائدة: نقل الإمام النووي رحمه الله عن الغزالي رحمه الله: وكل من
حملت إليه نميمة، وقيل له: (فلان يقول فيك)، أو (يفعل فيك كذا)، فعليه ستة أمور:
الأول
: ألا يصدقه لأن النمام فاسق.
الثاني
: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه ويقبح له فعله.
الثالث
: أن يبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى، ويجب بغض من أبغضه الله
تعالى.
الرابع
: ألا يظن بأخيه الغائب السوء.
الخامس
: ألا يحمله ما حكي له على التجسس والبحث عن ذلك.
السادس
: ألا يرضى لنفسه ما نهي النمام عنه؛ فلا يحكي نميمته عنه، فيقول: فلان حكى كذا
فيصير به نماما، ويكون آتيا ما نهي عنه. اهـ ("المنهاج" /2/181/تحت الحديث 105/دار أحياء التراث).
تنبيه: كثير من الحزبيين –استدلالاً
بهذا الحديث وأمثاله- يحرصون على إسكات أهل السنة عن قول الحق، ويشوهون سمعتهم
بأنهم "نمامون". فلا بد من إيضاح الأدلة. قال الإمام النووي رحمه الله: وكل هذا المذكور في
النميمة إذا لم يكن فيها مصلحة شرعية. فإن دعت حاجة إليها فلا منع منها؛
وذلك كما إذا أخبره بأن إنساناً يريد الفتك به، أو بأهله، أو بماله، أو أخبر
الإمام، أو من له ولاية بأن إنساناً يفعل كذا، ويسعى بما فيه مفسدة. ويجب على صاحب
الولاية الكشف عن ذلك وإزالته. فكل هذا وما أشبه ليس بحرام، وقد يكون بعضه
واجبا، وبعضه مستحبا على حسب المواطن. والله أعلم اهـ. ("المنهاج" /2/ص181/دار أحياء
التراث).
وقال ابن حجر رحمه الله: وَفِي هَذَا الْحَدِيث –يعني
حديث
(6100)- جَوَاز إِخْبَار الْإِمَام وَأَهْل الْفَضْل بِمَا يُقَال
فِيهِمْ مِمَّا لَا يَلِيق بِهِمْ لِيُحَذِّرُوا الْقَائِل وَفِيهِ بَيَان مَا
يُبَاح مِنْ الْغِيبَة وَالنَّمِيمَة لِأَنَّ صُورَتهمَا مَوْجُودَة فِي صَنِيع
اِبْن مَسْعُود هَذَا وَلَمْ يُنْكِرهُ النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
، وَذَلِكَ أَنَّ قَصْد اِبْن مَسْعُود كَانَ نُصْح النَّبِيّ صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِعْلَامه بِمَنْ يَطْعَن فِيهِ مِمَّنْ يُظْهِر الْإِسْلَام
وَيُبْطِن النِّفَاق لِيَحْذَر مِنْهُ ، وَهَذَا جَائِز كَمَا يَجُوز التَّجَسُّس
عَلَى الْكُفَّار لِيُؤْمَن مِنْ كَيْدهمْ ، وَقَدْ اِرْتَكَبَ الرَّجُل الْمَذْكُور
بِمَا قَالَ إِثْمًا عَظِيمًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَة اهـ. ("فتح الباري" /كتاب الأدب/الصبر على الأذى/10/ص629/دار السلام).
4-
الفرية على مسلم
عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ قَالَ جَلَسْنَا لِعَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ
فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَجَلَسَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-
يَقُولُ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله فَقَدْ ضَادَّ الله،
وَمَنْ خَاصَمَ فِى بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِى سَخَطِ الله حَتَّى
يَنْزِعَ عَنْهُ، وَمَنْ قَالَ فِى مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ الله
رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ». (أخرجه أبو داود (كتاب القضاء/في الرجل فيمن يعين على خصومة.../(3592)/عون المعبود/دار الكتب العلمية))، وصححه الإمام
الألباني رحمه الله في "الصحيحة" (رقم (437)/مكتبة المعارف)، والإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح الصحيح" رقم (755) /دار الآثار).
وعن سعيد بن زيد رضي الله عنهما عن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن من
أربى الربا الاستطالة فى عرض المسلم بغير حق». (أخرجه أبو داود (كتاب الأدب/في الغيبة/(4866)/عون/دار الكتب العلمية)، وصححه الإمام
الألباني رحمه الله في "صحيح الترغيب" ((2532)/مكتبة المعارف)، والإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند"/(435)
/دار الآثار).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلا سبعمائة ضعف. قال
الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي،
للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح
المسك». (أخرجه البخاري (1954) ومسلم /كتاب الصيام/فضل الصيام/(1151)/دار ابن الجوزي)، وهذا لفظه).
وقال الإمام ابن رجب رحمه الله: وقوله : «ترك
شهوته، وطعامه، وشرابه من أجلي»: فيه إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه، وأن
الصائم يقرب إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام، والشراب، والنكاح، وهذه أعظم
شهوات النفس. وفي التقرّب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد:
منها: كسر النفس، فإن الشبع والريّ ومباشرة النساء
تحمل النفس على الأشر، والبطر، والغفلة، ومنها تخلي القلب للفكر والذكر، فإن تناول
هذه الشهوات قد تقسي القلب، وتعميه، وتحول بين العبد وبين الذكر والفكر، وتستدعي
الغفلة. وخلو الباطن من الطعام والشراب ينوّر القلب، ويوجب رقته، ويزيل قسوته، ويخليه
للذكر والفكر.
ومنها:
أن الغنيّ يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيراً من الفقراء من
فضول الطعام، والشراب، والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة
له بذلك يتذكر به من منع من ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه
بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج، ومواساته بما يمكن من ذلك.
ومنها:
أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فإن الشيطان يجري من
ابن آدم مجرى الدم، فتسكن بالصيام، وساوس الشيطان، وتنكسر سورة الشهوة، والغضب، ولهذا
جعل النبي صلى الله عليه وسلم: «الصوم وجاء»([6]) لقطعه عن شهوة
النكاح.
واعلم
أنه لا يتمّ التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام
إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله في كل حال من الكذب، والظلم، والعدوان على
الناس في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم
يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه». خرّجه البخاري([7])، ... إلخ. ("لطائف المعارف" /وظائف في شهر
رمضان/
ص 213-214/دار الحديث).
وأما الاعتكاف، قال الله تعالى: ]وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ
وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ[ [البقرة/187]
وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما
قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ
الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. (أخرجه البخارى (كتاب الاعتكاف/الاعتكاف في
العشر الأواخر/(2025)/دار الكتب العلمية)، ومسلم (كتاب الاعتكاف/الاعتكاف في
العشر الأواخر/ (1171)/دار ابن الجوزي)).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: لَمّا كَانَ
صَلَاحُ الْقَلْبِ وَاسْتِقَامَتُهُ عَلَى طَرِيقِ سَيْرِهِ إلَى اللّهِ تَعَالَى
، مُتَوَقّفًا عَلَى جَمْعِيّتِهِ عَلَى اللّهِ وَلَمّ شَعَثِهِ بِإِقْبَالِهِ
بِالْكُلّيّةِ عَلَى اللّهِ تَعَالَى ، فَإِنّ شَعَثَ الْقَلْبِ لَا يَلُمّهُ إلّا
الْإِقْبَالُ عَلَى اللّهِ تَعَالَى ، وَكَانَ فُضُولُ الطّعَامِ وَالشّرَابِ
وَفُضُولُ مُخَالَطَةِ الْأَنَامِ وَفُضُولُ الْكَلَامِ وَفُضُولُ الْمَنَامِ
مِمّا يَزِيدُهُ شَعَثًا، وَيُشَتّتُهُ فِي كُلّ وَادٍ وَيَقْطَعُهُ عَنْ سَيْرِهِ
إلَى اللّهِ تَعَالَى ، أَوْ يُضْعِفُهُ أَوْ يَعُوقُهُ وَيُوقِفُهُ اقْتَضَتْ
رَحْمَةُ الْعَزِيزِ الرّحِيمِ بِعِبَادِهِ أَنْ شَرَعَ لَهُمْ مِنْ الصّوْمِ مَا
يُذْهِبُ فُضُولَ الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَيَسْتَفْرِغُ مِنْ الْقَلْبِ أَخْلَاطَ
الشّهَوَاتِ الْمَعُوقَةِ لَهُ عَنْ سَيْرِهِ إلَى اللّهِ تَعَالَى ، وَشَرْعِهِ
بِقَدْرِ الْمَصْلَحَةِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بَهْ الْعَبْدُ فِي دُنْيَاهُ
وَأُخْرَاهُ وَلَا يَضُرّهُ وَلَا يَقْطَعُهُ عَنْ مَصَالِحِهِ الْعَاجِلَةِ
وَالْآجِلَةِ
وَشَرَعَ
لَهُمْ الِاعْتِكَافَ الّذِي مَقْصُودُهُ وَرُوحُهُ عُكُوفُ الْقَلْبِ عَلَى
اللّهِ تَعَالَى ، وَجَمْعِيّتُهُ عَلَيْهِ وَالْخَلْوَةُ بِهِ وَالِانْقِطَاعُ
عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْخَلْقِ وَالِاشْتِغَالُ بِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ
بِحَيْثُ يَصِيرُ ذِكْرُهُ وَحُبّهُ وَالْإِقْبَالُ بَدَلَهَا ، وَيَصِيرُ الْهَمّ
كُلّهُ بِهِ وَالْخَطَرَاتُ كُلّهَا بِذِكْرِهِ وَالتّفَكّرِ فِي تَحْصِيلِ
مَرَاضِيهِ وَمَا يُقَرّبُ مِنْهُ فَيَصِيرُ أُنْسُهُ بِاَللّهِ بَدَلًا عَنْ
أُنْسِهِ بِالْخَلْقِ فَيَعُدّهُ بِذَلِكَ لِأُنْسِهِ بِهِ يَوْمَ الْوَحْشَةِ فِي
الْقُبُورِ حِينَ لَا أَنِيسَ لَهُ وَلَا مَا يَفْرَحُ بِهِ سِوَاهُ فَهَذَا
مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ الْأَعْظَمِ -إلى قوله:-
وَأَمّا
الْكَلَامُ فَإِنّهُ شُرِعَ لِلْأُمّةِ حَبْسُ اللّسَانِ عَنْ كُلّ مَا لَا
يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ . وَأَمّا فُضُولُ الْمَنَامِ فَإِنّهُ شُرِعَ لَهُمْ
مِنْ قِيَامِ اللّيْلِ مَا هُوَ مِنْ أَفْضَلِ السّهَرِ وَأَحْمَدِهِ عَاقِبَةً
وَهُوَ السّهَرُ الْمُتَوَسّطُ الّذِي يَنْفَعُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ وَلَا
يَعُوقُ عَنْ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ وَمَدَارُ رِيَاضَةِ أَرْبَابِ الرّيَاضَاتِ
وَالسّلُوكِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْكَانِ وَأَسْعَدُهُمْ بِهَا مَنْ سَلَكَ فِيهَا
الْمِنْهَاجَ النّبَوِيّ الْمُحَمّدِيّ وَلَمْ يَنْحَرِفْ انْحِرَافَ الْغَالّينَ
وَلَا قَصّرَ تَقْصِيرَ الْمُفَرّطِينَ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَدْيَهُ صَلّى اللّهُ
عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ وَكَلَامِهِ فَلْنَذْكُرْ هَدْيَهُ
فِي اعْتِكَافِهِ كَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ
الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتّى تَوَفّاهُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ وَتَرَكَهُ
مَرّةً فَقَضَاهُ فِي شَوّالٍ . وَاعْتَكَفَ مَرّةً فِي الْعَشْرِ الْأَوّلِ ثُمّ
الْأَوْسَطِ ثُمّ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمّ
تَبَيّنَ لَهُ أَنّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فَدَاوَمَ عَلَى اعْتِكَافِهِ
حَتّى لَحِقَ بِرَبّهِ عَزّ وَجَلّ . وَكَانَ يَأْمُرُ بِخِبَاءٍ فَيُضْرَبُ لَهُ
فِي الْمَسْجِدِ يَخْلُو فِيهِ بِرَبّهِ عَزّ وَجَلّ .-إلى قوله:-
وكان إذا اعتكف دخل قبته
وحده، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان، وكان يخرج رأسه من
المسجد إلى بيت عائشة، فترجله، وتغسله وهو في المسجد وهي حائض، وكانت بعض أزواجه
تزوره وهو معتكف. فإذا قامت تذهب قام معها يقلبها، وكان ذلك ليلا، ولم يباشر امرأة
من نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا غيرها، وكان إذا اعتكف طرح له فراشه، ووضع له
سريره في معتكفه، وكان إذا خرج لحاجته مر بالمريض وهو على طريقه، فلا يعرج عليه
ولا يسأل عنه. واعتكف مرة في قبة تركية، وجعل على سدتها حصيرا، كل هذا تحصيلا
لمقصود الاعتكاف وروحه، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة ومجلبة
للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون. والله
الموفق.
("زاد المعاد" /فصل في هديه
صلى الله عليه وآله وسلم في الجهاد.../370-371/دار ابن حزم).
في أيام رمضان –بل قبل ذلك- يبثّ أهل الأهواء والشبهات دعاتهم إلى
مساجد المسلمين ومجامعهم، لأن تكون الإمامة والخطابة لهم، فيتمكنوا في إدخال
السموم عليهم، والسيطرة على أبنائهم باسم الدعوة أو التوعية، أو تعمير رمضان، أو
توجيهات، أو الإفطار والسحور، أو نحو ذلك، فحصل بهذا المكر والكيد أضرار عقدية على
المسلمين. فلا بد من تحذير الأمة من هؤلاء الأعداء، صيانة الأسماع، والقلوب،
والمساجد وجميع المجامع.
عمران بن حصين -رضي الله عنهما- يحدث قال: قال رسول
الله -صلى الله عليه وسلم-: «من سمع بالدجال فلينأ عنه فوالله إن الرجل ليأتيه
وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات أو لما يبعث به من الشبهات ».
هكذا قال. (أخرجه أبو داود/كتاب الملاحم/خروج الدجال/(4311) /دار الحديث، وصححه
الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند" (1019/(دار الآثار).
بعد ذكر الحديث قال الإمام ابن بطة رحمه الله: هذا
قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، فالله الله معشر المسلمين، لا
يحملن أحدا منكم حسن ظنه بنفسه، وما عهده من معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه
في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء، فيقول: (أداخله لأناظره، أو لأستخرج منه مذهبه)، فإنهم
أشد فتنة من الدجال، وكلامهم ألصق من الجرب، وأحرق للقلوب من اللهب، ولقد رأيت
جماعة من الناس كانوا يلعنونهم، ويسبونهم، فجالسوهم على سبيل الإنكار،
والردّ عليهم ، فما زالت بهم المباسطة وخفي المكر، ودقيق الكفر حتى صبوا إليهم
اهـ. ("الإبانة الكبرى" – تحت رقم (480) /ط. دار الكتب والوثائق القومية).
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: أصول السنة
عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإقتداء بهم،
وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، وترك الجلوس مع أصحاب الأهواء،
وترك المراء، والجدال، والخصومات في الدين اهـ ("أصول السنة للإمام أحمد"/شرح الشيخ ربيع
المدخلي حفظه الله/ص7/ط. دار الإمام أحمد).
وقال الإمام الصابوني رحمه الله: جملة من آداب
أصحاب الحديث: ... ويتحابون في الدين، ويتباغضون فيه، ويتقون الجدال في الله،
والخصومات فيه، ويتجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء
والجهالات، ... –إلى قوله:-
ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس فيه، ولا يحبونهم، ولا
يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا
يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم ... إلخ ("عقيدة السلف"/ ص107-108/دار المنهاج).
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله: ومن
السنة هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر
في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة اهـ. ("لمعة الاعتقاد"/شرح ابن
العثيمين/ص97/دار الآثار).
وقال الإمام ابن العثيمين رحمه الله في شرحه: فالابتعاد
عن مواطن الضلال واجب لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الدجال: «من سمع به
فلينأ عنه فوالله ان الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من
الشبهات». رواه أبو داود، قال الألباني: وإسناده صحيح. اهـ ("شرح لمعة الاعتقاد"/ص97-98/دار الآثار).
وقال العلامة أبو الطيب صديق بن حسن خان القنوجي رحمه
الله:(([8])) ومن السنة
هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين والسنة. وكل محدثة في
الدين بدعة. وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم في أصول الدين
وفروعه،
... إلخ ("قطف الثمرفي بيان عقيدة أهل الأثر" مع تحقيق شيخنا أبي عمرو
الحجوري حفظه الله/ ص178/ط. مكتبة صنعاء
الأثرية).
وسمعت شيخنا المحدث الناصح الأمين يحيى بن علي
الحجوري حفظه الله يقول: ولا تغتروا أنتم –رعاكم الله- بعلمكم، وأنكم لن تتأثروا بشبهاتهم. إن
بحار الضلالة عميقة، فكم عسى أن تسبحوا؟! فلسنا بأعلم من سلفنا الصالح، ولا بأقوى
منهم. اهـ
عن سلام بن أبي مطيع رحمه الله قال: أن رجلا من
أصحاب الأهواء قال لأيوب السختياني: يا أبا بكر؟ أسألك عن كلمة قال : فولى أيوب ،
وجعل يشير بإصبعه : ولا نصف كلمة ولا نصف كلمة اهـ. ("الشريعة"/ للإمام الآجري /ذم الجدال
والخصومة/ رقم (113)/ دار الكتاب
العربي/وصححه شيخنا أبو عمرو
الحجوري حفظه الله).
ولا يغرّنّكم قولهم: (ما نريد إلا تلاوة القرآن
عندكم، وقراءة الحديث). إن أهل الأهواء أخبث من العقارب أو مثلها.
عن أسماء بن خارجة رحمه الله يحدث قال : دخل رجلان
على محمد بن سيرين من أهل الأهواء ، فقالا : يا أبا بكر نحدثك بحديث ؟ قال : لا
قالا : فنقرأ عليك آية من كتاب الله عز وجل ؟ قال : لا ، لتقومن عني أو لأقومن
اهـ. ("الشريعـة"/ ذم الجدال والخصومة/ رقم (114)/ دار الكتاب العربي/وصححه شيخنا
أبو عمرو الحجوري حفظه الله).
وعن مفضل بن مهلهل رحمه الله قال: لو كان صاحب
البدعة إذا جلست إليه يحدثك ببدعته حذرته، وفررت منه، ولكنه يحدثك بأحاديث السنة
في بدو مجلسه ، ثم يدخل عليك بدعته ، فلعلها تلزم قلبك ، فمتى تخرج من قلبك اهـ. ("الإبانة الكبرى"/ باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب .../للإمام ابن بطة رحمه الله/رقم (399)/ط. الفاروق الحديثية/ بسند حسن).
وعن علي بن أبي خالد رحمه الله قال: قلت لأحمد: إن
هذا الشيخ -لشيخ حضر معنا- هو جاري وقد نهيته عن رجل، ويحب أن يسمع قولك في حارث القصير
يعني حارثاً المحاسبي، كنتَ رأيتني معه منذ سنين كثيرة فقلتَ لي: لا تجالسه، ولا
تكلمه. فلم أكلمه حتى الساعة. وهذا الشيخ يجالسه، فما تقول فيه فرأيت أحمد قد احمر
لونه وانتفخت أوداجه وعيناه، وما رأيته هكذا قط، ثم جعل ينتفض ويقول: ذاك فعل الله
به وفعل. ليس يعرف ذاك إلا مَن خَبَرَه وعَرَفَه. أويه أويه أويه، ذاك لا يعرفه
إلا من قد خبره وعرفه، ذاك جالسه المغازلي، ويعقوب، وفلان، فأخرجهم إلى رأي جهم،
هلكوا بسببه. فقال له الشيخ: يا أبا عبد الله، يَرْوِي الحديث، ساكنٌ خاشعٌ،
من قصته ومن قصته. فغضب أبو عبد الله وجعل يقول: لا يغرك خشوعه ولينه، ويقول:
لا تغتر بتنكيس رأسه، فإنه رجل سوء، ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره. لا تكلمه
ولا كرامة له. كل من حدث بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مبتدعاً
تجلس إليه؟ لا ولا كرامة، ولا نعمى عين، وجعل يقول: ذاك ذاك اهـ. ("طبقات
الحنابلة"/للإمام ابن رجب رحمه الله /1/ ص 233-234/رقم (325)/دار المعرفة).
وقال الإمام الوادعي رحمه الله: شأن الحزبيين
أنّهم يدعون في البداية إلى الكتاب والسنة حتى يألفهم الناس، وحتى تشتد عضلاتهم،
فإذا علموا أن الكلام ليس مؤثرًا فيهم أظهروا ما عندهم اهـ. ("تحفة المجيب" ص180/دار الآثار)
فلا تستقبلوهم، ولا تسمعوا منهم، لا في رمضان ولا
في سائر الأزمان، فإن القلوب ضعيفة، والشبهات خطافة.
فيا
أيها المسلمون، اصبروا على مشقة هذا السفر، واثبتوا على الصراط، فإنما هذه الحياة
الدنيا أيام قلائل.
قال
تعالى: ]وَيَوْمَ
يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ
يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ الله وَمَا
كَانُوا مُهْتَدِينَ[ [يونس/45]
وقال
جل ذكره: ]فَاصْبِرْ كَمَا
صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ
يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ
بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُون[ [الأحقاف/35]
وقال
سبحانه: ]كَأَنَّهُمْ
يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا[
[النازعات/46]
وقال
تبارك وتعالى: ]يَوْمَ
يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا *
يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ
بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا
يَوْمًا[ [طه/102-104]
وما
يدريكم لعل الساعة تكون قريبا؟
قال الله تعالى: ]فَهَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ
أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ[ [محمد/18]
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول
الله - صلى الله عليه وسلم – يقول: «إنما
بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتى أهل
التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم
أوتى أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً،
ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل
الكتابين: أى ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن
كنا أكثر عملا، قال قال الله عز وجل: هل ظلمتكم من أجركم من شىء؟ قالوا: لا، قال:
فهو فضلي أوتيه من أشاء». (أخرجه البخارى/كتاب موافيت
الصلاة/من أدرك ركعة.../ (557)/دار الكتب العلمية).
وعَنْ أَبِى ذَرٍّ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ
النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لأَبِى ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: «تَدْرِى
أَيْنَ تَذْهَبُ». قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّهَا
تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنَ لَهَا، وَيُوشِكُ
أَنْ تَسْجُدَ فَلاَ يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا،
يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِى مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا،
فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ]وَالشَّمْسُ
تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[
». (أخرجه البخارى (كتاب بدء الخلق/صفة الشمس
والقمر/(3199)/دار الكتب العلمية) واللفظ له، ومسلم (كتاب الإيمان/الزمان الذي لا يقبل فيه الإيمان/(159)/دار ابن
الجوزي)).
وعن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان -رضي
الله عنه- فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت
حذاء ولم يبقى منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون
منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى
من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعر ووالله لتملأن أفعجبتم ؟ ولقد
ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليها يوم
وهو كظيظ من الزحام ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ما
لنا طعام إلا ورق الشجر حتى تقرحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن
مالك فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على
مصر من الأمصار وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا وإنها لم
تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكا فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا.
(أخرجه مسلم/كتاب الزهد والرقاق/(2967)/دار ابن الجوزي).
هذه هي نصائح متواضعة أحبّ عرضها للمسلمين، محبة
الخير لهم، وصيانة لدينهم. جميع هذه النصائح راجعة إلى مجاهدة الشهوات والشبهات في
شهر رمضان –وسائر الدهر-.
فمن وفقه الله على الثبات والصبر على مقاومة فتنة الشهوات، والثبات واليقين في
محاربة فتنة الشبهات، فليهنه بالإمامة في الدين. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ففتنة
الشبهات تدفع باليقين وفتنة الشهوات تدفع بالصبر ولذلك جعل سبحانه إمامة الدين
منوطة بهذين الأمرين فقال: ]وجعلنا منهم
أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون[
فدل على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
وجمع بينهما أيضا في قوله : ]وتواصوا بالحق
وتواصوا بالصبر[ فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات، وبالصبر الذي يكف عن الشهوات.
وجمع بينهما في قوله: ]واذكر عبادنا
إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار[ فالأيدي : القوى والعزائم في ذات الله والأبصار : البصائر في أمر
الله وعبارات السلف تدور على ذلك اهـ. ("إغاثة اللهفان" /فصل ]النوع الثاني من الفتنة[/ 2/ص241/المكتب الإسلامي).
والله
الموفّق إلى أقوم الطريق، وتقبل الله منا جميعاً.
والحمد
لله رب العالمين.
كتبها الفقير
إلى ربه عز وجل: أبو فيروز عبد الرحمن بن سوكايا الإندونيسي
تاريخ 18 شعبان
1430 هـ
مركز الدعوة
السلفية دار الحديث بدماج
اليمن حرسها
الله
Table of Contents
0 التعليقات:
إرسال تعليق